د. إبراهيم أحمد سمو
كاتب كوردي
من مدرجات دهوك إلى قلوب الكورد: حين تتحوّل الرياضة إلى مشروع وطني
قبل أكثر من ثلاثة عقود، كتبتُ مقالًا وحيدًا عن الرياضة، نُشر عام 1992 في مجلة “نداء الطلبة” باللغة الكوردية، وتناول العلاقة بين المسرح والرياضة. كنت آنذاك أرى أن الأدب والرياضة توأمان يتقاطعان في الجمال، والإبداع، وروح المنافسة. غير أن ذلك المقال بقي يتيمًا في أرشيفي، لم أعد إليه، ولم ألحقه بمقال آخر، إذ انجرف قلمي نحو قضايا الفكر والهوية والإنسان.
لم أمارس الرياضة يومًا، لكنني ظللت وفيًّا لها كمشاهد. كنت أُتابع، أُشجّع، وأتعلّق أحيانًا بفرق بسبب لاعب أحببته، كما حدث مع كيليان مبابي حين كان في باريس سان جيرمان، ثم رافقته بالمشاعر إلى ريال مدريد. ومن خلاله، تعرّفت على عالم كرة القدم، وتعددت أسماء اللاعبين في ذاكرتي دون أن أنتبه إلى أنني أنتمي، وإن من بعيد، لهذا العالم الذي يهتف ويتنفس الفرح والحماسة.
لكن تلك العلاقة بقيت سطحية، عابرة، حتى هزّني مشهدٌ محليٌّ لم أكن أتوقعه. مشهد جمهور نادي دهوك، ذلك الجمع الغفير من الوجوه الكوردية المليئة بالحماس والانتماء، جعلني أعيد النظر في رؤيتي للرياضة. لم تكن المدرجات مجرد مقاعد، بل مسرحًا حيًّا لعرض أصدق المشاعر. شعرت بأن من واجبي أن أكتب، لا كمحلل أو رياضي، بل كمواطن وكاتب يرى في هذا الحراك طاقة كامنة تستحق الاحترام والدعم.
الرياضة، كما تبيّنت لي، ليست ترفًا أو ترويحًا عن النفس، بل فعل انتماء عميق، وشكل من أشكال التعبير عن الوطنية. في الملاعب، تُرفع الأعلام بصدق لا يُزاحمه خطاب سياسي، ويُهتف باسم الوطن بشغف لا يعرف التكلّف. ومن خلال هدفٍ واحد قد يُسجّل في لحظة، يُولد شعور بالكرامة والانتماء يتجاوز عشرات الخطب والمنشورات الرسمية.
إن هذا التحوّل في وعي الجمهور الكوردي تجاه الرياضة يستدعي وقفة جادّة من الحكومة والقيادة السياسية في إقليم كوردستان. لقد أصبح ملعب دهوك، وزاخو، وغيرهما من الأندية، ساحات لمشروع وطني كبير، يتجاوز المستطيل الأخضر ليصل إلى نُضج شعبي حقيقي. وما دام الجمهور حاضرًا بهذا الزخم، فواجبنا أن نستجيب له بنفس المستوى من الجدية.
نحن اليوم أمام لحظة فارقة، تتطلب قرارًا بحجم الطموح الشعبي. إننا بحاجة إلى ملعب يتسع لـ100 ألف متفرّج، ليس فقط في دهوك، بل في كوردستان عمومًا. ملعب يكون رمزًا لحجم هذا الحب الشعبي للرياضة، ولإرادة الحياة والانتماء لدى هذا الشعب. نعم، نحن بحاجة إلى بنى تحتية رياضية تليق بهذا الجمهور العظيم، وإلى مشروع حكومي يتعامل مع الرياضة بوصفها عنصرًا من عناصر بناء الهوية الكوردية الحديثة.
من هنا، أوجّه دعوتي إلى دولة رئيس الوزراء مسرور بارزاني، رجل المرحلة، وصاحب الرؤية في تحديث مؤسسات الإقليم، أن يضع على أجندته مشروع “الملعب الكبير”، حلم 100 ألف متفرّج، ليرتفع فيه العلم الكوردي، وتعلو فيه هتافات الناس وهم يهتفون باسم نادٍ، لكنهم في العمق يهتفون باسم كوردستان.
لا يكفي أن نفرح بالفوز، بل يجب أن نُحسن إدارة هذا الفرح، ونبني له أساسًا يليق به. فالرياضة اليوم أثبتت أنها سلاح ناعم لكنه فعّال، في توحيد القلوب، وكسر الحواجز الطبقية، بل وفي خلق بيئة جديدة لتهذيب الذوق العام، وتشكيل روح وطنية غير ملوّثة بالمصالح الضيقة.
وإذا كانت السياسة كثيرًا ما فرّقت الناس، فإن الرياضة تجمعهم. وإذا كانت الخلافات الحزبية تُضعف الثقة، فإن الانتصارات في الملاعب تُعيدها إلى الواجهة. وهذا تحديدًا ما لمسناه من خلال نجاح نادي دهوك مؤخرًا، وما زرعه من فرح عارم بين أهالي المدينة، كبارًا وصغارًا، نساءً ورجالًا، حيث لم يكن الفوز فوزًا كرويًا فقط، بل كان انتصارًا للروح الكوردية الحقيقية.
ختامًا، شكري وامتناني لكل من يقف خلف هذا النجاح، من إدارة النادي، إلى اللاعبين، إلى الجمهور الوفي. لقد أعادوا إلينا الإيمان بأن الكتابة عن الرياضة ليست خروجًا عن النص، بل عودة إلى الأصل، لأن الرياضة اليوم، في كوردستان، ليست مجرد لعبة… بل مشروع وطني شامل