جامعة دهوك تتكلم أخيراً.. من قلب الملتقى الأول تنطلق إشارات الإصلاح

جامعة دهوك تتكلم أخيراً.. من قلب الملتقى الأول تنطلق إشارات الإصلاح
جامعة دهوك تتكلم أخيراً.. من قلب الملتقى الأول تنطلق إشارات الإصلاح

وفق رؤى تطويرية جديدة، نؤمن بأن أن نتحدث متأخرين، خيرٌ من أن نصمت إلى الأبد

بينما كنت جالسًا أستمع إلى آراء المشاركين في اللقاء، وجدت في النقاشات فرصة للتفاعل، لا من خلال الإمساك بالمايكروفون والمداخلة المباشرة، بل عبر ما أعتبره أكثر عمقًا وتأثيرًا: مداخلة مكتوبة، تُنشر في فضاء الفيسبوك، وربما في صحيفة رسمية. اخترت أن أعبّر عمّا في داخلي عبر مقال يتيح لي ترتيب الأفكار، وطرح الملاحظات بهدوء، بعيدًا عن قيود الوقت، أملاً في أن يسهم هذا النص في إيصال صوتنا نحو تطوير جامعتنا بما يليق بمكانتها ودورها

اخترنا أن تكون مشاركتنا في الملتقى الأول لجامعة دهوك عبر مقال يحمل عنوانًا واضحًا، ويطرح الأفكار برويّة بعيدًا عن العجلة. فبدلًا من المداخلة الشفوية، آثرنا التعبير كتابةً، لما تحمله الكلمة المكتوبة من قدرة على التأمل، ودقة في الطرح، وأثر يمتد إلى ما بعد انتهاء الفعالية

جامعة دهوك تضع قدمها على الطريق الصحيح: خطوة مباركة نحو تجديد أكاديمي واستقلالية مؤسسية

بعد أكثر من 32 عامًا على تأسيسها، تشرع جامعة دهوك في مرحلة جديدة من العمل الأكاديمي، عنوانها المكاشفة والمصارحة، وروحها الإصلاح والتطوير. ففي هذا اليوم، 20 نيسان 2025، شهدنا مبادرة غير مسبوقة في تاريخ الجامعة، تمثلت في لقاء جامع تناول واقع الجامعة بشفافية، واستعرض التحديات، وطرح رؤى جادة للمستقبل. لقاءٌ اتسم بالجرأة في الطرح والانفتاح على النقد البناء، وحرص على إشراك كافة الأطراف المعنية بالعملية الأكاديمية من أساتذة ومدعوين ومراقبين، وكان لي شرف الحضور والمساهمة الفكرية عبر هذا المقال بدلاً من طرح مختزل في وقت قصير.

لقد عكست هذه المبادرة، التي نظّمتها رئاسة الجامعة، إدراكًا متزايدًا بأن النجاح لا يُقاس بما تحقق فقط، بل بقدرة المؤسسة على الاستمرارية والتطور، وعلى تصحيح المسارات، ومواجهة الأخطاء، وطلب الدعم من الجميع بحسب إمكانياتهم، سواء المادية أو الفكرية أو المعنوية. ومن هنا، فإن هذه الخطوة تستحق الإشادة والمباركة، لا بوصفها فعلًا مؤقتًا، بل كنقطة انطلاق نحو ترسيخ ثقافة مؤسسية جديدة تقوم على النقد الذاتي، والشفافية، والبحث عن أفضل السبل للنهوض الأكاديمي.

التعليم الجامعي حجر الأساس لبناء المجتمعات

من المعروف أن التربية والتعليم يشكلان الركيزة الأولى لبناء المجتمعات المتقدمة، بينما تحتل الجامعات موقع القلب النابض في هذا البناء، لا بوصفها مؤسسات تعليمية فحسب، بل كمصانع للمعرفة ومحركات للتغيير والإبداع. ففي الدول الصناعية والمجتمعات المتحضرة، تُعامل الجامعات باعتبارها كيانات مستقلة ذات طابع خاص، تمنحها السلطات مساحة من الحرية لاتخاذ قراراتها وفق متطلبات عملها الأكاديمي والبحثي.

هذا الفهم الحديث لدور الجامعة ينبغي أن يُترجم في واقعنا المحلي من خلال تجديد نظم الإدارة الجامعية، وتحريرها من البيروقراطية الحكومية، ومنحها صلاحيات أوسع في الجوانب العلمية والإدارية. فالتعليم العالي لا يمكن أن يُدار بذات الأساليب التي تحكم عمل الدوائر الخدمية. الخصوصية الأكاديمية تتطلب مرونة في التنظيم، وتفرغًا للبحث، واستقلالية في القرار.

تطوير المناهج: من التجريب إلى التخطيط الاستراتيجي

أحد المحاور الجوهرية التي يجب أن تحظى بالأولوية في أي مشروع إصلاحي جامعي، هو تطوير المناهج الدراسية. فالمنهج هو قلب العملية التعليمية، وبدونه لا يمكن الحديث عن جودة أو فعالية. من هذا المنطلق، فإن تحديد جدول زمني واضح لمراجعة وتحديث المناهج، واعتمادها من قبل لجنة أكاديمية متخصصة، يمثل ضرورة لا بد منها.

من الملاحظ أن بعض التخصصات ما زالت تعمل بمناهج قديمة لم تُحدث منذ سنوات، ويعود ذلك أحيانًا إلى غياب إطار مؤسسي منظم للتحديث، مقابل اعتماد مفرط على مبدأ “حرية التدريس”. هذا المبدأ، وإن بدا ظاهريًا دليلًا على الانفتاح، إلا أنه قد يتحول إلى ثغرة خطيرة عندما يُستخدم لتبرير غياب المعايير وتكرار المحتوى ذاته عامًا بعد عام.

إن الحل يكمن في الجمع بين الحرية الأكاديمية والانضباط المؤسسي، عبر إعداد مناهج مصدّقة تحتوي على مفردات واضحة، ومصادر علمية معتمدة، وتُوزع على الطلبة ضمن كتب رسمية تُمثل مرجعًا مشتركًا للجميع.

استقلالية الجامعات ضرورة وليست ترفًا

لا يمكن لجامعة أن تنهض بدورها ما لم تُمنح استقلاليتها المالية والإدارية والأكاديمية. ولهذا، فإن من واجب الجميع، من داخل الجامعة وخارجها، الضغط باتجاه إقرار قوانين تمنح الجامعات حرية أوسع في اتخاذ القرار، وتنظيم شؤونها الداخلية بما يتناسب مع طبيعتها ورسالتها.

الجامعات، بطبيعتها، تحتاج إلى نمط عمل يختلف عن مؤسسات الدولة الأخرى. فالعقل الأكاديمي لا ينمو في بيئة تُقيده بالقرارات المركزية والعطل الرسمية وقيود الروتين. المطلوب هو إرساء نظام يسمح للجامعة بإدارة وقتها وبرامجها وفق احتياجاتها العلمية، لا وفق أجندة إدارية عامة.

تمديد ساعات الدوام: حل عملي لضغط الجداول

في ظل الضغط الزمني وضيق الوقت المتاح للمواد الدراسية، تبدو فكرة تمديد ساعات الدوام الجامعي حتى الخامسة مساءً خيارًا يستحق الدراسة الجادة. فهذا التمديد لا يخفف فقط من تكدس الحصص، بل يفتح المجال أمام أنشطة لاصفية تُسهم في بناء شخصية الطالب، مثل الورش الثقافية، والندوات الفكرية، والأنشطة الرياضية.

الجامعة ليست مجرد قاعة محاضرات، بل فضاء فكري واجتماعي، ولا بد من تهيئة المناخ الذي يعزز الإبداع والتفاعل والتفكير الحر. توسيع المساحات الزمنية والمكانية جزء من هذا المناخ، ويعكس احترامًا للطالب واستثمارًا حقيقيًا في مستقبله.

جامعة دهوك: نموذج قابل للتطوير

رغم التحديات المالية الكبيرة، تُعد جامعة دهوك واحدة من الجامعات العراقية التي تمتلك بنية تحتية جيدة، وكادرًا أكاديميًا نشطًا، وروحًا تنظيمية يمكن البناء عليها. لقد أثبتت الجامعة خلال السنوات الأخيرة قدرتها على مواكبة بعض التطورات العلمية والتكنولوجية، وحافظت على تماسكها في ظل أزمات متعددة، ما يشير إلى وجود إرادة داخلية حقيقية تسعى للحفاظ على هذا الصرح وتطويره.

المطلوب الآن هو الانتقال من أسلوب ردود الأفعال إلى التفكير الاستراتيجي. من بين الخطوات العاجلة، تثبيت المناهج في كتب رسمية، إنشاء فضاءات طلابية للاستراحة والنقاش، وإعادة الاعتبار للأنشطة الفكرية والثقافية التي توسّع مدارك الطلبة وتحفزهم على التفكير النقدي.

الخلاصة: فرصة للتغيير يجب ألا تضيع

ما شهدناه اليوم من مبادرة داخل جامعة دهوك ليس فعلاً شكليًا أو استعراضيًا، بل يُمكن أن يُمثل بداية لتحول عميق في بنية التفكير الجامعي. فالجامعة اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تستثمر هذه اللحظة لبناء مشروع تطويري شامل، أو تعود إلى حالة الجمود والانتظار.

نحن نملك الطاقات البشرية، والكوادر المؤهلة، والبنى التحتية التي يمكن أن تؤهلنا لأن نكون في طليعة الجامعات العراقية. لكن ذلك لن يتحقق إلا إذا وضعنا الطالب في قلب العملية التعليمية، وأعدنا الاعتبار لمكانة الأستاذ، ومنحنا الجامعة حرية القرار.

آن الأوان أن تخرج جامعة دهوك من دورها التقليدي كمؤسسة تعليمية، إلى كونها مشروعًا حضاريًا يعكس طموح المجتمع في التقدم والنهوض. ولا شك أن الخطوة التي بدأت اليوم، إن استُكملت، ستضع الجامعة في موقع جديد يليق بتاريخها وإمكاناتها.

مباركٌ لجامعة دهوك هذه البداية الواعدة. ومباركٌ لكل من ساهم في هذا الحراك، وآن لنا جميعًا أن نكون جزءًا من مسيرة التغيير.