د. إبراهيم أحمد سمو
كاتب كوردي
دهوك تحتضن الإيزيدية في واجهة العلم والثقافة: نجاح لافت للمؤتمر العلمي الدولي
اليوم، وتحت رعاية كريمة من رئيس حكومة إقليم كوردستان، السيد مسرور بارزاني، شهدت مدينة دهوك حدثًا ثقافيًا وعلميًا من الطراز الرفيع، قلّما نرى له مثيلًا في منطقتنا. فقد احتضنت جامعة دهوك، وبجهود مشتركة من كلية العلوم الإنسانية ومركز “لا لَش”، مؤتمرًا علميًا دوليًا استثنائيًا، تميز بتنظيمه اللافت وحضوره الغفير، وبموضوعه المحوري الذي دار حول الديانة الإيزيدية، دينًا وثقافةً وفلسفة.
عندما دعيتُ إلى هذا الحدث، استبشرت خيرًا، لكني لم أكن أتوقع أنني سأجد نفسي وسط هذا الحشد من المهتمين والباحثين، من داخل وخارج كوردستان. كان في ذهني تصور تقليدي عن طبيعة المؤتمرات الثقافية، وعن مدى اهتمام الجمهور بمثل هذه المواضيع، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالدين الإيزيدي، الذي عانى كثيرًا من التهميش وسوء الفهم. غير أن الواقع خالف التوقعات، وتجاوزها.
منذ لحظة وصولي، شعرت أن شيئًا كبيرًا يحدث. القاعتان الرئيسيتان كانتا ممتلئتين عن آخرهما، والصالة الكبيرة تكاد تضيق بروّادها، حتى إن التنقل داخلها كان تحديًا بحد ذاته. تساءلت في داخلي: هل تغيّرت أنا، أم أن الواقع الثقافي في كوردستان بدأ يشهد تحولًا نوعيًا؟ وهل زاد الوعي العام بقيمة الديانة الإيزيدية بوصفها جزءًا أصيلًا من النسيج الثقافي الكوردي؟
ما لا يمكن إنكاره هو أن الحضور الكثيف والمشاركة المتنوعة شكّلت صورة مدهشة. فقد ضمّ المؤتمر باحثين من مختلف الاختصاصات والجنسيات، من العرب والكورد، ومن بلدان شتى، كلهم اجتمعوا حول محور واحد: تسليط الضوء على الإيزيدية باعتبارها ظاهرة دينية وروحية وثقافية ذات جذور عميقة في التاريخ.
لكن ورغم النجاح الباهر، وجدت نفسي أطرح ملاحظة مهمة: ربما كان من الأفضل لو جرى تقليص عدد البحوث المشاركة لصالح النوعية، وتخفيف الزخم لصالح التنظيم الأكاديمي الدقيق. فالتعدد الكبير في الأوراق المقدّمة، رغم أنه يعكس الحماس والتفاعل، إلا أنه أثقل كاهل المؤتمر نوعًا ما، وأربك السياق العلمي في بعض الفقرات. مع ذلك، فقد يكون في هذا “الخلل” بعض الفائدة، إذ أتاح المجال لتفاعل أوسع ومداخلات جانبية أغنت الجو العام، وجعلت من المؤتمر ليس فقط ساحة علمية، بل فضاءً حواريًا مفتوحًا.
أما الجانب الإيجابي الأبرز، فكان في اللقاءات الجانبية التي جمعت بين ضيوف من كل الجهات، من المثقفين والباحثين والأكاديميين والمهتمين بالشأن الثقافي والديني. تلك اللقاءات كانت مناسبة نادرة لتبادل الآراء والخبرات، وخلقت نوعًا من الشبكات الفكرية الجديدة التي قد تثمر لاحقًا في مشاريع ومؤتمرات أخرى.
اللافت أن المؤتمر، رغم طابعه الأكاديمي، لم يقع في فخ الجفاف أو الخطاب النخبوي. على العكس، فقد اتسم بجو حيوي، وكانت الجلسات غنيّة بالمداخلات، والتفاعل كان واضحًا بين المتحدثين والحضور، ما أضفى على الحدث طابعًا شعبيًا دون أن يفرّط بالرصانة العلمية. وهذا بحد ذاته إنجاز يُحسب للجهة المنظّمة، أي جامعة دهوك، وبالذات كلية العلوم الإنسانية التي أدارت دفة المؤتمر بحكمة، وأثبتت أن المؤسسات الأكاديمية في كوردستان قادرة على أن تكون قاطرة لنهضة فكرية حقيقية.
وما يستحق الإشارة أيضًا هو أن المؤتمر لم يكتف بإبراز الديانة الإيزيدية من منظور ديني صرف، بل تناولها كمكون ثقافي وفلسفي وتاريخي ضارب في الجذور، له خصوصيته وروحه الإنسانية. وقد جاءت البحوث لتضع النقاط على الحروف، وتفنّد كثيرًا من الادعاءات التي حاولت، عبر التاريخ، إخراج الإيزيدية من سياقها الكوردي الأصيل. فقد أثبت المؤتمر، علميًا وثقافيًا، أن الإيزيديين هم أبناء هذه الأرض، وُلدوا وهم يتحدثون اللغة الكوردية، وحافظوا عليها جيلًا بعد جيل، رغم المحن والمذابح والتهجير.
الإيزيدية كما ظهرت في هذا المؤتمر، ليست فقط ديانة قديمة، بل ذاكرة حية، وشعب له تراث، ولغة، وهوية. هي ليست حالة هامشية أو جزئية، بل مكون أساسي في التكوين الثقافي والتاريخي لكوردستان. ومن هنا، فإن المؤتمر لم يكن فقط لحظة احتفاء بالإيزيدية، بل فعل اعتراف ووعي بأهمية التنوع وثرائه.
النجاح الكبير الذي حققه المؤتمر لا يكمن فقط في عدد الحضور أو تنوع البحوث، بل في الرسالة التي بعث بها إلى الداخل والخارج: كوردستان تحتضن أبناءها بكل أطيافهم، وتحتفي بتاريخهم دون إقصاء، وتفتح أبواب جامعاتها ومنصّاتها للعلم والثقافة والاعتراف المتبادل.
ولعل أجمل ما في الحدث هو تلك اللحظة التي شعر فيها الجميع – باحثين وحضورًا – أن التاريخ لا يُكتَب فقط في الكتب، بل يُصاغ من جديد في هذه اللقاءات، على منصّات الحوار، وفي دفاتر المحاضرين، وفي وجوه الحاضرين المتعطشين للمعرفة والانفتاح.
وفي النهاية، لا يمكن إلا أن نشيد بالجهات التي تبنّت فكرة هذا المؤتمر، وسهرت على تنظيمه وإنجاحه، وعلى رأسها جامعة دهوك، ومركز “لا لَش”، وكل من ساهم في أن يظهر هذا الحدث بالصورة التي رأيناها. لقد برهنت كوردستان – مرة أخرى – أن الثقافة لا تموت، وأن الدين حين يُقرأ بعين المعرفة، يتحوّل إلى جسر لا إلى حاجز، وإلى نور لا إلى ظلام.
وإذا كان من كلمة أخيرة، فهي أن ما جرى في دهوك لا يجب أن يبقى حدثًا معزولًا، بل ينبغي أن يكون نقطة انطلاق لسلسلة من المؤتمرات والندوات والحوارات التي تعيد الاعتبار لكل المكونات، وتستثمر الوعي المتنامي لدى الناس، خصوصًا الجيل الجديد، بقيمة التنوع وقوة الثقافة في مواجهة التطرّف والنسيان