د. إبراهيم أحمد سمو
كاتب كوردي
العلم لا يعفي من المحاسبة ولا يبرر السقوط
في مجتمعات اعتادت تسليط الضوء على الزلة وتجاهل العمر الممتد من الصواب، بات الخطأ الواحد كفيلاً بأن يُسقط الإنسان من أعالي الإنجاز إلى هاوية النسيان. لا يعود الأمر إلى مجرد عتاب أو نقد بنّاء، بل يتجاوز إلى ما يشبه الإعدام المعنوي، حيث تُمحى حياة بكاملها من السجل، وتُختزل التجربة البشرية الثرية إلى لحظة ضعف أو سقطة عابرة.
تسير الحياة اليوم على صراطٍ مشدود، بالكاد يسمح بخطوة خاطئة دون أن يُزلزل ما بُني على مدى سنين. فبزلة لسان، أو موقف مُجتزأ، أو حتى تأويل خاطئ، يُقاد المرء إلى محكمة الجماهير، لا ليُحاسب، بل ليُدان سلفاً بلا محامٍ، بلا فرصة للدفاع، وبلا حق في الاستئناف.
لقد أصبحت الخصوصية عملة نادرة، وأمست حياة الفرد، بما فيها من تفاصيل شخصية، مادةً خاماً لسوق السوشيال ميديا، تُنشر وتُستهلك دون إذن أو اعتبار. كأنما تحوّلت أعماق الإنسان إلى شاشة عامة، وأسراره إلى “ترند” عابر يُشبع فضول المارين ثم يُلقى في العراء كجسد أنهكه التشريح العشوائي.
كل من يحمل في قلبه غلاً، أو في روحه عطشاً للشماتة، بات يخرج سكينه الحادة، لا ليقطع ما هو باطل، بل ليُمزق الإنسان ذاته. يُقسمونه إلى أشلاء، يضعون كل جزء في كيس من الإدانات، ثم يُلقون به في بحر من النسيان القاسي، ذلك البحر الذي لا قاع له، ولا نجاة فيه، ولا ضوء يدل على مرفأ الرحمة.
لا يُقيم الناس وزنًا لما كان من جميل. لا يتذكرون التضحيات، ولا يُحصون المرات التي ابتسم فيها ذاك الذي يجلدونه الآن في وجوههم، أو وقف إلى جانبهم في وقت شدة. كل ما هو إيجابي يُنسى، كأنما جُعلت الحسنات وقودًا لحرق صاحبها حين يخطئ، لا رصيدًا يُغفر به زلّته.
وهكذا، يُدفن الجميل، لا في سجل الذكرى، بل في مزبلة التاريخ، دون أن يُمنح اسماً أو قبراً يُزار. كل الأبواب تُغلق، وكل الأيادي تُسحب، وكل الأصوات التي كانت بالأمس تصفق، تتحوّل إلى لعنات لا تنتهي.
ويغدو الإنسان الذي كان بالأمس رمزاً للفخر، غريباً بين أهله، منبوذاً بين أصدقائه، مجهولاً في عيون من كان يومًا ملاذهم. لا يُعرف، ولا يُذكر، بل يُمحى وكأنه لم يكن. وتلك لعنة هذا العصر: عصر الحساب الجماعي، والمشنقة الرقمية، والمحاكمات التي لا تحتاج إلى قاضٍ، لأن الجمهور يكفي.
في ظل هذا الواقع المؤلم، بات على الإنسان أن يعرف قدر نفسه قبل أن ينتظر من الآخرين أن يعرفوه. عليه أن يتحرك في الحياة كما يمشي من يحمل إناءً من الزجاج فوق رأسه، كل خطوة محسوبة، كل كلمة موزونة، كل موقف مدروس، لأن خطأ الشاطر – كما يقولون – بألف، بل قد يُحسب عليه كأنه خطايا أمة.
ومع ذلك، لا بد أن نتساءل: أليس الإنسان كائناً خطاءً بطبيعته؟ أليس من الحق أن نمنحه فرصة التوبة، أو حتى الفهم؟ لماذا نُصرّ على تحويل الضعف الإنساني إلى عارٍ أبدي؟ ولماذا يُحرم البعض من العودة، بينما تُفتح الأبواب لغيرهم لمجرد أنهم أكثر حظاً أو أكثر قدرة على التجمّل؟
المجتمع الذي لا يعرف العدل في محاكمته للخطأ، هو مجتمع لا ينمو، لأنه لا يُشجع على التجربة، بل يُرهب من الخطوة. وهو لا يُنتج بشراً أصحاء نفسياً، بل يُفرّخ جيلاً خائفاً، هشاً، يمضي حياته في التخفي والتبرير.
إن القياس الصحيح لأي إنسان يجب أن يكون بتوازن ميزانه: كم من الخير قدّم؟ كم من الخطايا تجنب؟ كم من المرات قاوم السقوط؟ لا أن نحكم عليه من لحظة واحدة، كما لو أن التاريخ يبدأ وينتهي فيها.
لعلّ الأهم من الخطأ نفسه، هو ما بعده. هل اعتذر؟ هل حاول الإصلاح؟ هل تعلّم؟ فإن كانت الإجابة نعم، فهنا يبدأ الإنسان الحقيقي، لا ينتهي. لأن أعظم الدروس لا تُصنع من المثالية، بل من السقوط والقيام، ومن الانكسار الذي يُعيد ترتيب النفس.
لقد بات واضحاً أن ثقافة “الإلغاء” التي انتشرت في العالم الرقمي، لم تعد مجرد رد فعل عاطفي، بل تحوّلت إلى سلوك جماعي يفتك بالعلاقات، ويُحوّل الكرامة الإنسانية إلى سلعة. يُلغى الإنسان من وجودنا الاجتماعي لمجرد هفوة، كأنما الكل ينتظر سقوط الآخر ليأخذ دوره في الجلد.
والمؤسف في هذا المشهد أن أغلب الضاربين بالسكاكين لم يُنصّبهم أحد، ولم يتطهروا من خطاياهم، بل هم فقط وجدوا فرصةً ليمارسوا قسوةً تُشعرهم بالتفوق. في لحظة، يصبح الحاكمُ جلاداً، والجمهورُ قاضياً، والعقوبةُ أبدية، ولو كان الجرمُ عابراً.
ولهذا، يجب أن يُعلّم الإنسان أبناءه أن يعتذروا إذا أخطأوا، وألا ييأسوا من التوبة، وأن يتحملوا النقد، لكن في المقابل يجب أن نعلّم الناس كيف يغفرون، وكيف يرون الإنسان في لحظاته الكاملة، لا فقط حين يسقط.
نحتاج إلى ثقافة إنسانية أكثر عدلاً، لا تنكر الخطأ، لكنها لا تقتل صاحبه. نحتاج إلى أن نؤمن بأن كل إنسان يستحق فرصة جديدة، حتى لو أخطأ. لأن الذي لا يُمنح فرصة للتغيير، لن يرى في الحياة سوى القسوة، ولن يُحب الخير ما دام يُقابل باللعنات.
وفي النهاية، لا أحد معصوم، وكلنا في لحظة ما قد نقف في قفص الاتهام. فإن كنا نطلب الرحمة حين نخطئ، فلنكن رحماء حين يخطئ غيرنا.