أحمد الشرع… ما بين بغداد والمجهول

الرئيس السوري أحمد الشرع
الرئيس السوري أحمد الشرع

تكثر التساؤلات وتضطرب التوقعات: هل سيحضر أحمد الشرع مؤتمر بغداد؟ هل سيتراجع؟ هل يُمنع؟ أم أن شيئًا غير متوقّع سيحدث؟ نحن الآن لا نتحدث عن فرد عابر أو قرار شخصي، بل عن مشهد يعكس مصير دولة، وتحول في بنية إقليم، وإعادة تشكيل لرؤية العالم تجاه الشرق الأوسط، خاصة بعد الانهيارات المتلاحقة في سوريا والعراق.

عند الحديث عن أحمد الشرع، لا بد من الرجوع إلى خلفيته السياسية ودوره في المشهد السوري قبل وبعد الثورة. هو شخصية جدلية بامتياز، تتحرك في مساحة رمادية ما بين الانفتاح والتمسك بالسلطة، بين البراغماتية والمواقف الحادة، بين الحضور في العلن والعمل في الخفاء. ومن هنا، تزداد المخاوف والتساؤلات مع اقتراب مؤتمر بغداد: ماذا يريد الشرع؟ وماذا يريد منه الآخرون، في الداخل والخارج؟

القلق ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لمسار طويل من الحذر، حيث يتقاطع الماضي القريب للرجل مع حاضرٍ شديد التعقيد. الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، لا ينظر إليه اليوم كما كان ينظر إليه بالأمس. والمجتمع الدولي، بكل أطيافه، يراقب خطواته بحذر: هل هو رجل المرحلة المقبلة؟ أم مجرّد امتداد لزمن مضى لا يصلح للبناء عليه؟ وهل يملك من المرونة ما يكفي للاندماج في معادلة سياسية جديدة، أم أنه يصرّ على أن يلعب اللعبة القديمة بقواعد انتهت؟

في عالم السياسة، كل شيء جائز. نحن نؤمن بإمكانية التغيير، وبأن الإنسان قد يتحول من قاتل إلى نادم، من طاغية إلى متصالح مع ذاته ومع شعبه، وقد يحدث العكس تمامًا: من شخص ملتزم وهادئ إلى كائن عنيف متوحش تحت ضغوط السلطة أو الانتقام أو الغطرسة. وكل الاحتمالات واردة، ما دام الفعل السياسي لا يزال في بداياته، وما دامت ملامح المرحلة لم تتضح بعد.

الرجل، برغم تاريخه، ما زال أمامه فرصة. إن اختار التحوّل نحو الأفضل، فهذا ما تتمناه الشعوب وتنتظره الدول المجاورة، التي سئمت من الخراب والدمار، وتتوق إلى الاستقرار والتوازن. أما إن عاد إلى خطاب الدم وجدول القتل والانتهاك، فذلك لن يكون مجرد نكسة، بل سيفتح الباب على مصراعيه لانهيار متسارع قد يبتلع ما تبقى من شرعية داخلية أو تعاطف خارجي، وسيسرّع – لا محالة – في سقوطه.

أما بخصوص مؤتمر بغداد، فإن المسألة تتجاوز الشخص إلى الدولة. العراق، كدولة مضيفة، ملزمة قانونيًا وأخلاقيًا وسياديًا بضمان الحماية الكاملة لأي شخصية مدعوّة رسميًا، مهما كان الجدل المحيط بها. أي تقصير في هذا الجانب سيكون وصمة عار قد تلازم العراق طويلًا، وقد تعيد البلاد إلى نقطة الصفر، بل وربما تفتح بابًا لتدخل دولي مباشر، وهو ما لا يتحمله العراق في وضعه الحالي.

لا يُعقل أن تكون الدولة العراقية عاجزة عن حماية ضيف رسمي، أو أن تترك مصير المؤتمر بيد جماعات مسلّحة أو أطياف سياسية تهدد وتتوعد. هذه اللحظة اختبار حقيقي للدولة بعد مرحلة ما بعد داعش، وما بعد الاحتقان الطائفي والانهيار المؤسساتي. إما أن تثبت الدولة أنها استعادَت زمام المبادرة، أو أن تظهر كيانًا هشًا، لا يختلف كثيرًا عن المشهد السوري الذي بدأ بالتفكك ثم انتهى إلى التدويل والانقسام.

نعم، العراق تغيّر بعد سقوط سوريا، وسوريا لم تعد كما كانت. النظام السوري اليوم يقف بين حذر وخوف، ويعيش مرحلة ما بعد الحقيقة، حين تنكشف الأوراق وتظهر المستورات. العراق أيضًا في مفترق طرق: إما أن يعيد بناء ثقته بنفسه كمركز توازن إقليمي، أو أن يغرق في صراعات الداخل، حيث الميليشيات تفرض منطقها، والسياسة تتراجع أمام التهديدات.

في النهاية، ما سيحدث في بغداد لن يكون مجرد حضور أو غياب. بل سيكون مؤشرًا عميقًا على قدرة العراق على صناعة القرار، وعلى موقعه من الإقليم والعالم. أحمد الشرع قد يحضر، وقد يلقي كلمته ويعود، وكأن شيئًا لم يكن، وقد لا يحدث شيء من المخاوف المتوقعة. لكن مجرد طرح هذه الأسئلة وبهذا التوتر، يكشف لنا كم أن الأوضاع ما زالت هشة، وكم أن الدولة ما زالت في معركة إثبات وجودها.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل نعيش ولادة عراق جديد؟ أم نقترب من نعي ما تبقى من حلم الدولة؟