د. إبراهيم أحمد سمو
كاتب كوردي
لالش: منارة الثقافة الإيزيدية وإرث يتجدد
تفصلنا أيام قليلة عن مناسبة عزيزة على قلوب الكورد عمومًا والإيزيديين بشكل خاص، وهي ذكرى تأسيس مركز لالش، التي تصادف يوم الاثنين 12/5. منذ 32 عامًا، انطلق هذا المركز ليصبح رمزًا للحرية الثقافية والدينية للإيزيديين. في كل عام، نستقبل هذه الذكرى بروح متجددة وأمل جديد، طامحين لأن تزداد خطوات المركز ثباتًا وتأثيرًا في الحفاظ على التراث الإيزيدي وتطويره.
دور الدولة في دعم الثقافة الإيزيدية
إن واجب الدولة يتمثل في الاستمرار بدعم نشاطات مركز لالش الثقافي، خصوصًا أنه تأسس في أجواء من الحرية، حاملاً شعارات تدعو إلى: "كل الأقلام في صفوف الكتاب والأدباء من أجل غدٍ أفضل للإيزيدية دينًا وثقافة".
لم يكن المركز مجرد مبنى أو شعار، بل حركة ثقافية تحمل على عاتقها مسؤولية صون العادات وتوثيق الأقوال والحِكم، جامعًا تحت مظلته كل من يؤمن بدور الثقافة في تعزيز الهوية.
من نور إلى نور: انطلاقة المركز
منذ تأسيسه في مدينة دهوك ،حمل مركز لالش على عاتقه مسؤولية شاقة رغم انطلاقه بإمكانات محدودة وعدد قليل من المثقفين والمهتمين، ليس فقط من الإيزيديين، بل أيضًا من الكورد الذين أولوا اهتمامًا كبيرًا بالديانة والثقافة الإيزيدية.
واجه المركز تحديات كبيرة، لكن الإرادة الصلبة كانت أكبر. انطلق في رحلة تطوير مستمرة على مدار العقود، ليصبح أكثر من مجرد فكرة عابرة؛ إنه تجسيد لرؤية تسعى لجمع المثقفين وتوحيد الجهود لخدمة المجتمع الإيزيدي. بمرور الزمن، أصبح اسم "لالش" مرادفًا للثقافة والإبداع، ورمزًا للنضال الفكري في سبيل الحفاظ على الهوية.
لالش: من المحلية إلى العالمية
لم يتوقف تطور المركز عند حدود محلية، بل امتد ليصبح مؤسسة ثقافية رائدة، توسعت نشاطاتها لتشمل جميع المناطق التي يتواجد فيها الإيزيديون. أصبحت فعالياته الثقافية والفكرية منارة تجمع الباحثين والكتّاب من مختلف أنحاء العالم، حيث بات تنظيم الندوات والمؤتمرات نشاطًا دائمًا يعزز الوعي الجماعي.
ولم يقتصر التوسع على الجانب الجغرافي فحسب، بل شمل الفكر أيضًا، إذ انفتح المركز على التيارات الثقافية المختلفة، مما أسهم في تنمية الفكر الجماعي وتعزيز الانفتاح على التنوع الثقافي.
لالش: منبر البحث العلمي والثقافي
مع مرور السنوات، تحول مركز لالش إلى منبر علمي موثوق، حيث تصدر من خلاله مجلات بحثية تضم دراسات معمقة حول الدين والثقافة الإيزيدية. بفضل هذا العمل الدؤوب، استطاع المركز أن يكسب احترام المؤسسات الأكاديمية ويصبح شريكًا في الفعاليات الثقافية والفكرية.
في خطوة نوعية على هذا الصعيد، نظم المركز مؤخرًا مؤتمر لالش بالتنسيق مع عمادة العلوم الإنسانية في جامعة دهوك، حيث استقطب مثقفين وأدباء وباحثين من مختلف أنحاء العالم. كان المؤتمر فرصة لطرح رؤى جديدة حول الهوية الإيزيدية في العصر الحديث، مما يعزز مكانة المركز كمرجعية ثقافية وعلمية.
حماية التراث وصون الهوية
أصبح مركز لالش مرجعًا رئيسيًا لتوثيق التراث الإيزيدي وحمايته من الاندثار. من خلال جمع وتوثيق العادات والحِكم والأقوال المأثورة، يسعى المركز لضمان بقاء الثقافة الإيزيدية حية بين الأجيال القادمة. كما يحرص على تطوير المحتوى الثقافي عبر دعم الأقلام الشابة وإبراز مواهبهم، لضمان استمرارية الرسالة الثقافية بشكل ملهم ومتجدد.
رسالة متجددة ورؤية نحو المستقبل
مركز لالش ليس مجرد كيان ثقافي أو ديني، بل هو مؤسسة تسعى لتعزيز الهوية الكوردية والإيزيدية على حد سواء. في كل ذكرى تأسيس، تتجدد الآمال بأن يواصل المركز دوره الريادي في جمع المثقفين والأدباء تحت راية واحدة، راية الحفاظ على الإرث الثقافي ومواجهة التحديات المعاصرة.
تحية وفاء لرواد لالش
مع اقتراب ذكرى تأسيس مركز لالش، نتوجه بتحية تقدير لكل من أسهم في بنائه وتطويره، من مثقفين ورواد وشهداء القلم الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية الحفاظ على الهوية الإيزيدية.
لقد أثبت المركز أن الإرادة الجماعية قادرة على تحقيق المستحيل، وأن الصمود الثقافي لا يقل أهمية عن مواجهة التحديات السياسية والاجتماعية. دامت جهود مركز لالش في حماية التراث الإيزيدي، وليظل منارة تنير دروب الباحثين عن المعرفة والهوية.