د. إبراهيم أحمد سمو
كاتب كوردي
الاتفاقيات الإبراهيمية.. بعد سقوط سوريا وزيارة ترامب: أين يقف الكورد في لعبة المصالح الجديدة؟
منذ توقيع أولى الاتفاقيات الإبراهيمية عام 2020 بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التحالفات السياسية والاقتصادية. تلتها البحرين، السودان، والمغرب في الانضمام إلى هذه الاتفاقيات بوساطة أمريكية، تحت شعار تعزيز السلام في المنطقة. لكن خلف هذا الشعار، تكمن أبعاد سياسية تتجاوز مجرد التطبيع الدبلوماسي. ومع استمرار انضمام الدول العربية إلى هذا المسار، يبرز سؤال جوهري: أين يقف الكورد من هذه التحولات الإقليمية؟
لماذا "اتفاقيات إبراهيمية"؟
يعود اسم الاتفاقيات إلى النبي إبراهيم عليه السلام، الشخصية المركزية ، الجامعة للأديان السماوية الثلاث: اليهودية، المسيحية، والإسلام. اختارت الولايات المتحدة هذا الاسم لتخفيف حساسية التطبيع لدى الشارع العربي والإسلامي، وتصوير الاتفاقيات كجسر للتفاهم بين الشعوب. لكن الحقيقة أن هذه التسمية تحمل بعدًا رمزيًا فقط، فيما تخفي أجندات سياسية واقتصادية تتعلق بالأساس بمصالح الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة، خصوصًا مع تصاعد التوتر مع إيران ومحاولة تكوين تحالف إقليمي لمواجهتها.
الأهداف المعلنة والخفية
تسعى الاتفاقيات الإبراهيمية علنًا إلى تعزيز التعاون الدبلوماسي والأمني والاقتصادي، وتخفيف التوتر في المنطقة. لكن بعد خمس سنوات من توقيعها، تغيّرت قواعد اللعبة بشكل ملحوظ. أصبحت سوريا ساحة مختلفة بعد انسحاب إيران وحزب الله تدريجيًا من النفوذ المباشر، في ظل محاولات أمريكية وإسرائيلية لتقليص الوجود الإيراني في المنطقة.
في المقابل، أسفرت الاتفاقيات عن تعزيز التواجد الإسرائيلي في الأسواق الخليجية، مع ازدهار التكنولوجيا الإسرائيلية بتسهيلات أمريكية. كما أدت زيارة ترامب التاريخية إلى السعودية والإمارات وقطر إلى إطلاق عدد من الأسرى الأمريكيين، مما كشف عن استثمار سياسي واقتصادي مكثف يهدف إلى فتح الأسواق العربية أمام المنتجات الأمريكية والإسرائيلية.
إشكالية السلام والرفض الشعبي
رغم طرحها كمبادرة سلام، قوبلت الاتفاقيات بانتقادات من العديد من الدول العربية والمنظمات الفلسطينية، التي رأت فيها تهميشًا لحقوق الشعب الفلسطيني. كما كشفت سرعة انضمام بعض الدول عن ضغوط أمريكية كبيرة، خصوصًا مع تقديم حزم مساعدات اقتصادية وعسكرية.
الجانب غير المعلن للاتفاقيات يتجلى في تعزيز النفوذ الإسرائيلي، مما أضعف من مركزية القضية الفلسطينية دوليًا. ومع زيارة ترامب للمنطقة، توقع البعض إعلان دولة فلسطينية مستقلة، إلا أن النتائج جاءت بإعلان رفع العقوبات عن سوريا دون تحقيق أي تقدم يذكر في ملف القضية الفلسطينية.
موقف الكورد من الاتفاقيات الإبراهيمية.. معادلة سياسية معقدة
رغم أن الكورد ليسوا طرفًا مباشرًا في هذه الاتفاقيات، فإن تأثيرها ينعكس عليهم بشكل غير مباشر. فالكورد، كشعب بلا دولة مستقلة، يعيشون ضمن دولة العراق التي تعارض التطبيع علنًا نظرًا لعلاقاتها الوثيقة مع إيران. وهذا الموقف الرسمي يضع الكورد أمام معادلة معقدة في كيفية التفاعل مع هذه المتغيرات السياسية.
موقف كوردستان العراق التوازن بين المركز والإقليم:
- بغداد: ترفض التطبيع بسبب علاقتها القوية مع إيران.
- إقليم كوردستان: يلتزم بسياسات الحكومة المركزية لتجنب التصعيد الداخلي والخارجي.
- الضغوط الخارجية: إذا توسعت الاتفاقيات لتشمل دولًا عربية جديدة، فقد يواجه العراق ضغوطًا أمريكية للانضمام، مما سينعكس على كوردستان أيضًا.
إيران، التي باتت في مرحلة تقليص التهديد الخارجي بعد عقود من التدخل الإقليمي، قد تزيد من ضغوطها على العراق وإقليم كوردستان لمنع أي تقارب مع إسرائيل. لا أعتقد أنها تستطيع لانها (اي ايران ) فقدت نفوذها الإقليمي بسبب أوضاعها الداخلية في السنوات الأخيرة.
الموقف الشعبي
يتفاوت موقف الشارع الكوردي بين من يرى في التطبيع فرصة اقتصادية ومن يخشى أن يؤدي ذلك إلى توتر مع دول الجوار. الإعلام الكوردي يتناول الموضوع بحذر، مع محاولة إبراز وجهات النظر المختلفة دون انحياز.
هل يمكن لكوردستان الانضمام للتحالف؟
نظرًا لكون كوردستان جزءًا من دولة العراق، فإن الانضمام المباشر يبدو مستحيلًا. ومع ذلك، يمكن أن تجد القيادة الكوردية في حال انضمام العراق إلى الاتفاقيات فرصة للتفاعل بطريقة غير مباشرة عبر بغداد.
استراتيجية كوردستان في ظل الاتفاقيات
-التقارب مع إسرائيل: قد يكون ممكنًا إذا انخرطت الدولة العراقية نفسها، ولكن بحذر شديد.
- مراعاة الموقف الإيراني: لتجنب أي تصعيد، لا بد من دراسة متأنية لأي خطوة سياسية.
- الالتزام بالقرار العراقي: بما أن كوردستان جزء من العراق، فإن أي قرار انضمام يجب أن يتماشى مع السياسة الرسمية لبغداد.
فرص استغلال الوضع الجديد
- تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الدول الموقعة: يمكن للإقليم بناء شراكات غير مباشرة مع الإمارات والبحرين وقطر و السعودية والمغرب عبر العراق.
- التنسيق مع بغداد: لضمان توازن المصالح الاقتصادية مع الالتزامات السياسية.
- إدارة المخاطر: بتجنب التصريحات العلنية حول موقف كوردستان من التطبيع، والإبقاء على قنوات دبلوماسية مفتوحة مع الدول ذات الصلة.
خاتمة: حذر في إدارة التحالفات الجديدة
في لعبة المصالح الإقليمية، تمثل الاتفاقيات الإبراهيمية وجهًا جديدًا لتحالفات الشرق الأوسط. أما الكورد، فيواجهون تحدي الموازنة بين الطموحات الاقتصادية والاستراتيجية من جهة، والضغوط السياسية الداخلية والخارجية من جهة أخرى.
يتطلب الموقف الكوردي سياسة حذرة تعتمد على قراءة دقيقة للتغيرات الإقليمية، دون الانجرار وراء صراعات قد تؤثر سلبًا على استقرار الإقليم. المرونة واليقظة تبقيان الأساس للحفاظ على مصالح كوردستان وضمان موقعها في خريطة التحالفات الجديدة.