د. إبراهيم أحمد سمو
كاتب كوردي
الاستفتاء الكوردي.. ذكرى عهد ووعد لا يموت
تمر السنوات، وتبقى بعض المحطات محفورة في ذاكرة الشعوب لا تزول، بل تتحول إلى رموز تتجاوز حدود الزمن والمكان. من بين هذه المحطات، يقف يوم الاستفتاء الكوردي في العام 2017، يوم قال الشعب كلمته بوضوح، وصوّت بأغلبيته الساحقة على حقه في تقرير مصيره. لم يكن ذلك اليوم مجرّد ورقة اقتراع، بل كان شهادة حيّة على إرادة أمة بأكملها أرادت أن تقول للعالم: نحن هنا، ونستحق أن نكون أحرارًا.
ما الذي يدفعنا إلى انتظار هذه الذكرى كل عام، لنستحضرها ونكتب عنها أفضل الكلمات وأصدق الجُمل؟ إنّه الوفاء للعهد الذي قطعناه على أنفسنا يوم أدلينا بأصواتنا. هو شعور الفخر الذي يتجدد مع كل ذكرى، وإصرار على أن لا يضيع صوت الشعب وسط ضجيج السياسة وتقلبات المواقف. في هذه المناسبة، نستعيد الصورة كاملة: صورة الملايين وهم يتجهون إلى صناديق الاقتراع، صورة البرلمان وهو يمنح الشرعية، وصورة المواطن البسيط وهو يقتل تردده بكلمة واحدة قاطعة: نعم للاستفتاء.
لقد كان لنا، نحن أبناء كوردستان، شرف المشاركة في هذا القرار التاريخي. بعضنا كان جزءًا من البرلمان حينها، يصوّت باسم الشعب ويمثل إرادته. وبعضنا الآخر كان مواطنًا عاديًا، حمل في قلبه أمانة الأجيال، وذهب إلى صندوق الاقتراع ليضع الورقة التي حملت معنى الحياة والكرامة. في تلك اللحظة، لم يكن هناك فرق بين نائب أو مواطن، بين مثقف أو عامل، بين شيخ أو شاب؛ الكل اجتمع على كلمة واحدة، وكأنها نداء داخلي يخرج من أعماق الروح: نعم للحرية.
الاستفتاء لم يكن مجرّد فعل سياسي عابر، بل كان قرارًا جمعيًا يشبه الباب الذي فُتح على أمل كبير. كان بمثابة إعلانٍ جماعي بأن الشعب الكوردي قادر على توحيد صفه عندما تكون القضية مصيرية. صحيح أنّ الاختلاف في الرؤى كان موجودًا، وصحيح أنّ الأحداث التي تلت الاستفتاء لم تكن كما تمنّى الكثيرون، إذ دخلنا في سنوات عجاف نتيجة الضغوط الداخلية والإقليمية والدولية، لكن تبقى الحقيقة واضحة: إرادة الشعب الكوردي ظهرت، ولم يعد بالإمكان إنكارها.
إنّ ما جرى بعد الاستفتاء من تضييق سياسي وحصار اقتصادي وتجاذبات حزبية لم يُضعف جوهر الفكرة. بل على العكس، جعل الاستفتاء يتحوّل إلى صك معنوي بيد الشعب، يمكن استدعاؤه في اللحظة المناسبة. ذلك اليوم يشبه “شيكًا مفتوحًا” وقّعه الشعب بإرادته الحرة، ليُستخدم حين تتوفر الظروف الطبيعية والإقليمية والدولية التي تتيح تحويل الحلم إلى واقع.
نحن لا نستذكر الاستفتاء من باب الحنين فقط، بل من باب المسؤولية. هو عهد قطعناه مع أنفسنا ومع دماء الشهداء ومع تضحيات البيشمركة. هو وعد بأن لا نفرّط بالحق الذي سجّلناه في التاريخ بأيدينا. قد تتعثر الخطوات، وقد تتأخر المسيرة بفعل الظروف، لكن المهم أنّ الهدف لم يسقط من الوجدان.
الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع بالإرادة والصبر. وقد أثبت الشعب الكوردي يوم الاستفتاء أنّه مستعد لدفع ثمن الحرية، حتى وإن كان الطريق مليئًا بالعقبات. إنّ مجرد ذهاب الملايين إلى صناديق الاقتراع، رغم التهديدات والضغوط، كان بمثابة رسالة واضحة: هذا شعب لا يخاف أن يقول الحقيقة.
اليوم، ونحن نستعيد تلك الذكرى، لا بد أن نتوقف عند معانٍ عميقة:
• أولًا، وحدة الصف الكوردي كانت عنوان الاستفتاء، وما أحوجنا اليوم إلى إعادة إنتاج تلك الوحدة في حياتنا السياسية.
• ثانيًا، الإرادة الشعبية أقوى من كل الحسابات الحزبية والضغوط الخارجية. الشعب حين يتكلم، يسكت الجميع.
• ثالثًا، الاستفتاء ليس نهاية المطاف، بل هو خطوة ضمن مسار طويل نحو الحرية والعيش الكريم.
قد يحاول البعض التهوين من قيمة الاستفتاء، أو وصفه بالفشل بسبب ما تلاه من أحداث مؤلمة، لكن الحقيقة أن الاستفتاء نجح في أهم ما يمكن أن ينجح فيه: كشف إرادة الشعب وتوحيد صوته. هذه الحقيقة لا يستطيع أحد محوها، لا اليوم ولا غدًا.
إنّ الدرس الذي يجب أن نستخلصه من تلك التجربة هو أنّ القرار المصيري لا يُتخذ بالتردد، بل بالحسم. وقد حسم شعب كوردستان أمره حينها. نعم، قد تكون هناك قلة لم يعجبها نجاح الفكرة، وربما كانت لها حساباتها الخاصة، لكنّ الغالبية الساحقة من الشعب شعرت بالفرح والفخر.
واليوم، بعد مرور سنوات، نرى أنّ الظروف الإقليمية تتغير، وأنّ العالم من حولنا يعيد رسم خرائطه. في هذه اللحظة، يصبح استدعاء تجربة الاستفتاء ضرورة، ليس فقط كذكرى، بل كخطة مستقبلية. ذلك الاستفتاء هو الأساس الذي يمكن البناء عليه في أي مرحلة مقبلة.
لقد تعودنا أن نعيش وسط ضغوط متواصلة، لكننا لم نفقد الأمل. والذكرى السنوية للاستفتاء تذكّرنا دومًا بأن الأمل لا يموت، وأنّ صوت الشعب حين يرتفع لا يمكن إسكاته. لذلك، فإنّ هذه الذكرى ليست مجرد مناسبة عاطفية، بل هي فرصة لتجديد العهد على الاستمرار في الطريق نفسه: طريق الحرية، والكرامة، والعيش الكريم.
إنّ الشعوب العظيمة لا تُقاس بما تكسبه في لحظة، بل بما تحافظ عليه من مبادئ. وقد أثبت الشعب الكوردي أنّه متمسك بحقه مهما كانت التضحيات. الاستفتاء كان إعلانًا واضحًا لهذه الحقيقة، واليوم هو رمزٌ وعهدٌ ووعد لا يموت.