العراق في قلب المواجهة الإقليمية: قراءة في صراع النفوذ وعودة الترتيبات السياسية

العراق في قلب المواجهة الإقليمية: قراءة في صراع النفوذ وعودة الترتيبات السياسية
العراق في قلب المواجهة الإقليمية: قراءة في صراع النفوذ وعودة الترتيبات السياسية

يومًا بعد يوم، تكشف الكواليس السياسية في العراق عن مشهد أعقد مما يظهر في الخطاب العلني، حيث تجاوزت معركة تشكيل الحكومة حدود المنافسة الانتخابية لتأخذ شكلًا أعمق يتعلق بإعادة توزيع القوة داخل الدولة في ظل تدخلات إقليمية متداخلة. وتشير تقارير International Crisis Group في تحليلها “Iraq’s Political Balancing Act” (نيسان 2024) ومقالات Foreign Affairs إلى أن العراق بات اليوم ساحة مفتوحة لصراع النفوذ بين محاور إقليمية تتقدمها إيران وتركيا ودول الخليج، ما يجعل الترتيبات الحكومية انعكاسًا لميزان قوى إقليمي بقدر ما هي نتاج تفاعلات داخلية.

ورغم استمرار الإطار التنسيقي كأكبر كتلة سياسية داخل المكوّن الشيعي، فإن التباينات التي أخذت تتصاعد بين أجنحته أدّت إلى تراجع مركزية القرار، خصوصًا في ملف رئاسة الوزراء وتقاسم الحقائب السيادية. وتوضّح دراسات The Washington Institute (ملف: “Iran’s Evolving Influence in Iraq”) وUSIP (“Iraq After the Elections”) أن النفوذ الإيراني يشهد تحولًا ملحوظًا من سيطرة عمودية مباشرة إلى تأثير أفقي يعتمد على شبكة واسعة من العلاقات السياسية، وهو ما انعكس على طبيعة الخلافات داخل الإطار التنسيقي وأضعف قدرته على فرض صيغة حكومية موحّدة كما في السابق.

وفي المقابل، برزت تحركات سنيّة نوعية تمثّلت في إعلان المجلس السياسي السني الوطني، وهو إطار جديد ضمّ شخصيات بارزة مثل محمد الحلبوسي، خميس الخنجر، مثنى السامرائي، ثابت العباسي، وسرمد الخنجر، في خطوة تشير إلى محاولة لإعادة ترتيب البيت السني في مرحلة ما بعد الانتخابات. وقد تناولت تحليلات منشورة في Al Monitor (تحليل: “Turkey’s Growing Role in Sunni Politics”) وMiddle East Eye (ملف: “Iraq’s Sunni Bloc Seeks Regional Backing”) طبيعة التحولات داخل القوى السنيّة وعلاقتها بخريطة النفوذ في غرب العراق، بما يعكس تغيّرًا ملحوظًا في بنية التمثيل السني، دون أن تربط بشكل مباشر بين هذه الاجتماعات وتلك التحولات

وتزامنت هذه التحركات السنية مع تصاعد حالة الارتباك داخل البيت الشيعي، الأمر الذي منح القوى السنية فرصة نادرة لرفع مستوى مطالبها في مرحلة توزيع المناصب الحكومية. وتؤكد وكالة Reuters في تقريرها “Sunni Parties Eye Larger Role in Iraq’s New Government” وتحليلات Al Jazeera Centre for Studies (“Iraq Between Domestic Fractures and Regional Competition”) أن المرحلة تمثل لحظة حساسة تعيد تحديد موقع المكوّن السني في النظام السياسي العراقي، خصوصًا مع سعيه للعب دور أكبر في رئاسة البرلمان والحقائب المرتبطة بالقرار الاقتصادي والأمني، في وقت تحاول فيه بعض القيادات السنية تعزيز مواقع تفاوضية منفردة وسط مشهد سياسي متقلب.

وفي خضم هذا التفاعل المعقد بين القوى السنية والشيعية، يبرز إقليم كوردستان باعتباره مساحة استقرار سياسي ودبلوماسي تستضيف عبرها أربيل ودهوك اجتماعات وتحركات حساسة تجمع بين القادة العراقيين وممثلي القوى الإقليمية. إلا أن التحدي الأكبر يظل داخليًا، إذ إن استمرار التباين بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني يقلل من قدرة الإقليم على الاستفادة من هذه اللحظة السياسية. وتشير دراسة Carnegie Middle East Center “The Kurdish Divide and Its Impact on Baghdad Politics” إلى أن الانقسام الكوردي يمنح بغداد قدرة أكبر على المناورة ويحد من الوزن التفاوضي للإقليم في المراحل الحاسمة من تشكيل الحكومة.

وبناءً على ذلك، تبدو المرحلة المقبلة فرصة استراتيجية للكورد، وبشكل خاص الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي يمتلك التفويض الشعبي الأكبر، للتوجه إلى بغداد برؤية موحدة تعكس متطلبات المرحلة وتعزز موقع الإقليم الدستوري داخل الدولة. إن التحولات الداخلية وصراع النفوذ الإقليمي وتغير ميزان القوى السني والشيعي جميعها تشكل لحظة سياسية نادرة قد لا تتكرر، ما يجعل وحدة الصف الكوردي ضرورة استراتيجية لضمان حضور فاعل في المعادلة الوطنية، واستثمار الظرف المتغير بما يحفظ استقرار الإقليم وموقعه السياسي داخل العراق.