نفط كوردستان: خرق دستوري أم اجتهاد مشروع في ظل الفراغ التشريعي؟

نفط كوردستان: خرق دستوري أم اجتهاد مشروع في ظل الفراغ التشريعي؟
نفط كوردستان: خرق دستوري أم اجتهاد مشروع في ظل الفراغ التشريعي؟

إن الجدل حول إدارة النفط في العراق لا يمكن فهمه إذا فصلناه عن طبيعة النظام الذي أقرّه دستور عام 2005، والذي أكد أن العراق دولة اتحادية تقوم على تقاسم الصلاحيات، وليس على المركزية المطلقة. فإقليم كوردستان ليس جهة تابعة، بل كيان دستوري واضح، لديه سلطاته التشريعية والتنفيذية والقضائية، وهذا ما نصّت عليه المواد (117) و(121). لذلك، أي نقاش عن النفط يجب أن ينطلق من هذا الأساس، لا من عقلية الدولة المركزية التي تجاوزها الدستور.

وعندما قال الدستور في المادة (111) إن النفط والغاز ملك لكل الشعب العراقي، فهذا لا يعني أن الإدارة تكون حصرًا بيد الحكومة الاتحادية، بل أكد في المادة (112) أن الإدارة تكون “بالتعاون” بين المركز والأقاليم. وهذه كلمة مهمة جدًا، لأنها تعني شراكة، لا سيطرة. ومع المادة (115) التي تعطي الصلاحيات غير الحصرية للأقاليم، يصبح واضحًا أن لإقليم كوردستان دورًا دستوريًا في إدارة موارده، وليس مجرد جهة تنتظر القرار من بغداد.

المشكلة الحقيقية بدأت في عام 2007، عندما طُرح قانون النفط والغاز لتنظيم هذه العلاقة، وكان مدعومًا من القيادة السياسية آنذاك، ومنهم جلال طالباني، لكن هذا القانون لم يُقر بسبب خلافات سياسية عميقة حول من يملك القرار وكيف تُدار الثروة. وهذا ليس كلامًا سياسيًا فقط، بل ذكرته تقارير دولية مثل Natural Resource Governance Institute وInternational Crisis Group وGAO في نفس الفترة. ومنذ ذلك الوقت، بقي فراغ قانوني واضح، وكل طرف بدأ يفسّر الدستور حسب مصلحته.

وهنا نقطة مهمة جدًا: بدل ما يتم حل هذا الفراغ، تحوّل إلى أداة سياسية، وأصبح أسهل شيء هو اتهام إقليم كوردستان بأنه “يتجاوز الدستور”. وكل من يريد أن يظهر أو يسجل موقفًا، يبدأ الحديث عن نفط الإقليم، بينما يتم تجاهل ملفات أكبر، خصوصًا في الجنوب حيث توجد الحقول الأكبر والإيرادات الأعلى. وهذا يطرح سؤالًا بسيطًا لكن صريحًا: إذا كانت تلك الثروات تُدار مركزيًا، لماذا لا نرى نفس المستوى من التطور والخدمات؟

ومن واقع ما نراه على الأرض، سواء في أربيل أو دهوك، يمكن ملاحظة فرق واضح في الاستقرار والتطور العمراني مقارنة بمناطق أخرى، رغم أن الموارد هناك أكبر بكثير. وهذا لا يعني أن الإقليم بلا مشاكل، لكنه يوضح أن طريقة الإدارة تلعب دورًا أساسيًا. فالإقليم، في ظل غياب قانون اتحادي، تحرك ضمن ما يراه صلاحياته، واعتمد على عقود مرنة وجذب استثمارات، وحقق قدرًا من الاستقرار الاقتصادي في ظروف لم تكن سهلة على العراق ككل.

في النهاية، المشكلة ليست في من يملك النفط، فهذه مسألة محسومة دستوريًا، بل في كيفية إدارته. الفيدرالية تعني شراكة حقيقية، لا تبعية. وإذا تم تقييد الإقليم فقط لأنه نجح أو لأنه يمتلك موارد، فهذا يعني أننا نعود إلى المركزية ولكن بشكل مختلف. لذلك، ما قام به إقليم كوردستان لا يمكن اعتباره خرقًا واضحًا للدستور، بل هو اجتهاد في ظل فراغ قانوني مستمر، والحل الحقيقي ليس في الاتهامات، بل في إقرار قانون واضح ينظم العلاقة بين الجميع بشكل عادل.