نضال الشعب الكوردي مستمر رغم التحديات
لقد سطر الشعب الكوردستاني تاريخاً حافلاً بالنضال والمقاومة في وجه الظلم والاضطهاد على مدى عقود طويلة. هو نضال من أجل البقاء، من أجل الحقوق الوطنية المشروعة، ومن أجل كرامة الإنسان وحقه في العيش بحرية وكرامة تحت سقف الدولة والدستور الذي نص على إقامة نظام اتحادي يمنح الكورد حقوقهم ويضمن المساواة الحقيقية بينهم وبين باقي المكونات العراقية.
ذلك النضال لم يكن فقط دفاعاً عن الأرض، بل بناءً لوجود سياسي متين وإقليمي يسعى لإثبات نفسه كلاعب رئيسي في صناعة مستقبل العراق.
▪️ أسئلة سياسية لإثارة الانتباه:
· كيف يمكن أن يتم التغاضي عن قوة وتصويت الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي حاز على أكثر من مليون ومائتي ألف صوت، مع حصوله على 30 مقعدًا فقط، فيما يحصل من يملكون نصف هذا العدد من الأصوات في بغداد ومحافظات أخرى على ضعف المقاعد؟
· هل يعكس هذا الواقع العدالة في التمثيل النيابي وعملية الانتخابات، أم أنه مؤشر واضح على التمييز والتهميش بنظام انتخابي معيب؟
· هل يمكن لعراق فدرالي أن يستمر في ظل ممارسات تحرف روح الدستور وتقصي شريكاً أساسياً مثل إقليم كوردستان؟
· كيف يمكن إعطاء شرعية للسلطة المركزية وهي ترفض إعطاء الإقليم حقه في الميزانية والتمثيل، وتستخدم الرواتب كسلاح سياسي ضد السكان؟
· ما هي تداعيات هذا الخراب السياسي على الاستقرار الداخلي، وأي مستقبل ينتظر العراق إذا استمر هذا التوتر بين المركز والإقليم؟
▪️ الدستور العراقي والفدرالية المُهملة:
ينص الدستور العراقي على أن إقليم كوردستان هو جزء اتحادي من العراق، يتمتع بصلاحيات واسعة في إدارة شؤونه، وفي المقابل يتحمل مسؤولياته تجاه الدولة. لكن التمايز السياسي والاقتصادي الممارس ضد الإقليم يظهر تخلياً عن مبدأ الفدرالية واحترام الحقوق.
سياسة قطع الرواتب وحرمان الإقليم من حصته في الموازنة الاتحادية، إلى جانب محاربة البنية التحتية الاقتصادية والسياسية لكوردستان، كلها أمور تشير بوضوح إلى أن بغداد وبعض الجهات الأخرى لا تريد شريكاً متساوياً، بل تفضل الإبقاء على إقليم تابع، مقيّد، ومهمش.
▪️ نظام الانتخابات: ظلم ممنهج لقيمة الصوت الكوردي:
واحدة من القضايا الجوهرية التي تؤثر على المشهد السياسي هي التفاوت الكبير في قيمة الصوت بين الناخب الكوردي في الإقليم وبين مثيله في بغداد ومحافظات أخرى.
في كوردستان، يصل عدد الأصوات المطلوب لانتخاب نائب واحد إلى 40 ألف صوت، بينما في محافظات بغداد والأقليم الأخرى لا يتجاوز هذا العدد 10 آلاف صوت. الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي حصل على أكثر من مليون ومائتي ألف صوت، حصل فقط على 30 مقعداً، أما من يملكون أصواتًا أقل بكثير في بغداد فيحصلون على ضعف العدد من المقاعد.
هذا النظام الانتخابي لا يعكس فقط خللاً فنياً، إنما يعبر عن تهميش ممنهج للشعب الكوردي، ويعد عقبة حقيقية في طريق تحقيق التمثيل العادل، إذ يفتقر النظام الحالي للشفافية والمساواة التي من المفترض أن تعززها الانتخابات كآلية ديمقراطية.
▪️ نجاحات حكومة إقليم كوردستان رغم الحصار:
رغم حرمان حكومة كوردستان من حصتها العادلة في الميزانية الاتحادية، وفرض الحصار الاقتصادي والسياسي عليها من بغداد وبعض الجهات الإقليمية، فإن الإقليم نجح في إدارة موارده الداخلية بفعالية، وأحرز إنجازات ملموسة في القطاعات الحيوية.
تمكنت الحكومة، برئاسة السيد مسرور بارزاني، من بناء بنية تحتية متطورة تشمل مشاريع الكهرباء التي توفر 34 ساعة تغذية مستمرة، ومشاريع مياه واستثمارات في البنية التحتية للطرق والجسور والسدود والمصانع.
إلى جانب ذلك، شهد الإقليم تقدماً ملحوظاً في مجالات الواقع الدبلوماسي، حيث طور علاقاته مع عدة دول ومنظمات دولية، ما منح الإقليم دوراً هاما على الساحة الدولية كمنطقة مستقرة نسبياً تُمثل بوابة للاستثمار والتعاون.
نجاح الحكومة في توفير خدمات أساسية مثل التعليم والصحة، وإنشاء جامعات ومدارس ومستشفيات عالية الجودة، ومكافحة الفساد عبر ممارسة القضاء المستقل، يضعها في مصاف الحكومات التي تقدم نموذجاً يحتذى به مقارنة مع ما يحدث في بغداد والمناطق الأخرى من تدهور واستمرار الفساد.
▪️ نموذج الفدرالية وتطبيقاتها العالمية: من أستراليا إلى العالم:
تعرف الفدرالية كأحد أنجح النظم في تنظيم الدول المتعددة القوميات والمناطق، حيث تتيح لكل منطقة أو اقليم درجة من الحكم الذاتي مع الحفاظ على وحدة الدولة. من أبرز الأمثلة على نجاح الفدرالية هي أستراليا، التي تجمع بين حكومات الأقاليم وحكومة مركزية تنسق بين المصالح المختلفة، وتحمي حقوق الأقاليم والمواطنين على حد سواء.
هذا النموذج يضمن العدالة في توزيع السلطات والموارد، ويخلق حالة من التوازن السياسي والاجتماعي تسمح بتحقيق التنمية المستدامة والحفاظ على الاستقرار.
تجربة أستراليا مهمة لشعب كوردستان، إذ تبين كيف يمكن للنظام الفدرالي أن يحفظ التنوع القومي والسياسي دون انتهاك لحقوق الأقليات، وعلى العكس، يعزز احترامها ويضمن مشاركة حقيقية في صنع القرار. العراق، كدولة متعددة القوميات، بحاجة إلى إعادة تفعيل هذا العقد الدستوري على نهج مثل أستراليا ليضمن مستقبل ديمقراطي مستقر لجميع مكوناته.
▪️ التعايش السلمي وحماية الأقليات:
نجح إقليم كوردستان في إرساء نموذج ديمقراطي تعددي، يضمن حقوق المكونات القومية والدينية والأقليات، وهو نموذج يتفوق في الكثير من جوانبه على الواقع العراقي العام. هذا النظام أوجد بيئة آمنة للعيش المشترك، ساعدت آلاف العائلات التي فرّت من العنف والاضطهاد في مناطق أخرى على اللجوء إلى الإقليم بأمان.
▪️ الأثر الأمني للاستقرار الإقليمي:
إن تحقيق استقرار في إقليم كوردستان له أثر مباشر وقوي على الأمن الداخلي للراق والمنطقة بأسرها. إقليم كوردستان، بإدارته الذاتية ومستوى الأمان الذي يوفره، يمثل ركيزة أساسية لمحاربة التطرف والإرهاب، ومركزاً لاستقبال النازحين بحكمة وتنسيق، مما يحد من أزمات النزوح التي تؤثر على بقية العراق والمنطقة.
كذلك يسهم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في الإقليم في تخفيف الأسباب التي تفضي إلى العنف والتوترات الطائفية والقومية في العراق.
إذا استمر التقويض السياسي والاستهداف المالي لكوردستان، يمكن أن يؤدي ذلك إلى تداعيات أمنية خطيرة تؤثر على السلام والاستقرار في العراق ككل، وهو ما يعرض جميع العراقيين للخطر ويجعل من تحقيق الأمن مهمة صعبة ومعقدة.
▪️ مقارنة تكشف جذر الأزمة:
عند مقارنة التفاصيل، يتضح أن المشكلة الحقيقية ليست قلة الموارد، بل طريقة إدارتها والتوجهات السياسية التي تحرم إقليم كوردستان من نصيبه العادل، وتحاول إخضاعه بدلاً من شراكته الحقيقية. إن نجاح الإقليم في تحقيق إنجازات ملموسة رغم الحصار المالي والسياسي يبرهن على أن احترام القوانين الدستورية وحرية إدارة الموارد من دون تدخلات حزبية تعزز استقرار العراق.
▪️ ختام: حلول وعواقب:
تتطلب المرحلة الحالية التزاماً صريحاً من بغداد باحترام الدستور وتنفيذ مبدأ الفدرالية بشكل حقيقي، عبر إصلاح نظام الانتخابات ليعكس واقع التصويت دون تمييز، وتوفير الموازنة بشكل عادل دون تأخير، ووقف استخدام الرواتب والحقوق كأسلحة سياسية.
كما يجب دعم جهود حكومة إقليم كوردستان في التنمية الاقتصادية والبنية التحتية، لأن استقرار الإقليم يعني استقرار العراق وأمنه.
وإذا استمرت بغداد في نهج التهميش والمعاقبة، فإن العواقب ستكون وخيمة على كل العراق. قد يدفع هذا الإقليم للبحث عن خيارات أكثر حزمًا للدفاع عن حقوقه، ما يؤدي إلى مزيد من التوترات والانقسامات التي تؤثر على المشهد الإقليمي والدولي، كما أثبتت التجارب الدولية أن تجاهل الشريك في الحكم يفضي إلى أزمات سياسية عميقة يصعب تجاوزها لاحقاً.
إن كوردستان تعد اليوم نموذجاً يحتكم للدستور، ومستعد لأن يكون جزءاً فاعلاً وإيجابياً في بناء الدولة العراقية، شرط أن يتوفر لها احترام الحقوق والمساواة والعدل في التمثيل والميزانية، لأنها ببساطة شريك ومسؤول عن مستقبل العراق وليس عبئاً أو خصماً.
▪️ رسالة إلى الحزب الديمقراطي الكوردستاني: ضمان حقوق كوردستان أولوية قبل المشاركة:
في ظل المشهد السياسي العراقي الجديد، يحمل الحزب الديمقراطي الكوردستاني بعبء تاريخي كبير ومسؤولية وطنية جسيمة تمثّل أصوات وأمال غالبية الشعب الكوردي في كوردستان العراق.
من واجب هذا الحزب أن يكون الصوت الراعي الحصري والممثل الحقيقي لمصالح إقليم كوردستان وشعبه في كل مراحل التفاوض على تشكيل الحكومة العراقية القادمة.
إن مشاركة الحزب الديمقراطي في الحكومة الاتحادية المقبلة يجب أن تأتي مرفقة بضمانات واضحة وصارمة تثبت تمسكه بحقوق الإقليم المنصوص عليها في الدستور العراقي، والتي تشمل حقوق الميزانية، والتمثيل العادل بنظام انتخابي منصف، وتثبيت موقع الإقليم ككيان اتحادي فاعل ومتين.
كما يجب أن تسعى قيادات الحزب إلى إبرام تحالفات واتفاقات استراتيجية مع الأحزاب العراقية الأخرى التي تلتزم بالشرعية الدستورية وتؤمن بمبدأ المشاركة الوطنية المتساوية، مع الحفاظ على مرونة سياسية تمكن من الدفاع بقوة عن الحقوق دون التنازل عنها.
إن الحزب الديمقراطي الكوردستاني لا يمثل حزبه فقط، بل يمتلك ثقة شعب بأكمله ينتظر منه أن يكون الحامي الأشد لحقوق الكورد وأن يحول قوة هذه الأصوات إلى مكاسب سياسية واقتصادية ملموسة تخدم مستقبل الإقليم وتعزز استقراره وأمنه.
التغيير الحقيقي يبدأ من ضمان حقوق الكورد في المشاركة الكاملة والمؤثرة، ولا يمكن للمفاوضات أن تكتسب شرعيتها دون تحقيق مطالب شعب عانى طويلاً من التهميش والاضطهاد. هذا هو الاختبار الحقيقي لشجاعة الحزب ومسؤوليته الوطنية أمام الشعب الذي وثق به.