نداء من تحت الرماد والثلج "ليس للكورد أصدقاء غير الجبال"
"الحرب خيار سيء، ولكن الأسوأ هو الاستسلام"، بهذه الكلمات المكثفة يلخّص فخامة الرئيس مسعود بارزاني فلسفة النضال الكوردي عبر قرن كامل من الصراع الوجودي. إنها ليست عبارة خطابية، بل خلاصة تجربة تاريخية تراكمت فيها الخيبات والانتصارات، لتتحول إلى قاعدة استراتيجية في الوعي الكوردي الجمعي: حين يصبح البقاء مهددًا، يغدو القتال ضرورة أخلاقية قبل أن يكون خيارًا سياسيًا.
اليوم، تكتسب هذه المقولة أبعادها الأكثر مأساوية في سهول روج آفا المتجمدة، حيث يقف الشعب الكوردي وحيدًا أمام تحالف معقّد يجمع بين الإرهاب المنظم، والتواطؤ الإقليمي، والنفاق الدولي الممنهج. هناك، حيث تتحول الطبيعة إلى عدو إضافي، ويُستخدم الشتاء القارس كسلاح حرب، في واحدة من أقسى تجليات الحرب الهجينة الحديثة التي تمزج بين القوة العسكرية والضغط الإنساني والاستنزاف الاقتصادي.
في روج آفا اليوم، تواجه آلاف العوائل الكوردية آلة الحرب، مع تجويع ممنهج، وتدمير للبنية التحتية. أطفال ينامون في خيام ممزقة تحت درجات حرارة دون الصفر، نساء يلدن في العراء، شيوخ يموتون بصمت على عتبات النزوح. هذه ليست مشاهد إنسانية معزولة، بل مخرجات استراتيجية استنزافية مركّبة تهدف إلى كسر إرادة المجتمع الكوردي.
نظام دمشق، الذي كان حتى سنوات قريبة على قوائم الإرهاب الدولية، يواصل لعبته التاريخية القائمة على إدارة الفوضى وتفكيك المجتمعات الطرفية. تسليم المناطق الكوردية لميليشيات ذات جذور داعشية لا يمكن اعتباره مجرد خطأ أو اضطرار عسكري، بل استراتيجية لإعادة إنتاج الإرهاب، بحيث تُدار المناطق الخارجة عن السيطرة المباشرة عبر وكلاء دمويين، ينجزون ما تعجز عنه الجيوش النظامية سياسيًا وقانونيًا.
إن إعادة تدوير عناصر داعش ضمن تشكيلات جديدة، تحت مسميات "الميليشيات المحلية" أو "قوات المصالحة"، ينسجم تمامًا مع نموذج التحول الوظيفي للإرهاب في الصراعات الحديثة، حيث لا يُقضى على التنظيمات المتطرفة، بل يُعاد تشكيلها لخدمة أهداف مرحلية. وبهذا المعنى، فإن الإرهاب لم يعد خطرًا طارئًا، بل أداة استراتيجية ضمن منظومة الحرب غير المتكافئة.
المأساة الأعمق تكمن في أن القوى التي قادت الحرب العالمية ضد داعش، باتت اليوم تتعامل مع فلوله كشركاء واقع. الولايات المتحدة، التي استخدمت دماء المقاتلين الكورد رأس حربة في معاركها ضد التنظيم، انسحبت فجأة، تاركة فراغًا استراتيجيًا قاتلًا، كشف هشاشة مفهوم التحالف حين يتصادم مع منطق المصالح العليا.
من منظور الواقعية السياسية، يُعدّ هذا السلوك إدارة مخاطرة استراتيجية، حيث تُقدّم واشنطن علاقتها بتركيا – العضو المحوري في الناتو – على التزاماتها الأخلاقية تجاه شركائها المحليين، ما يفتح الباب أمام قوى أخرى لملء الفراغ، ضمن لعبة توازنات معقّدة لا مكان فيها للأخلاق.
أما أوروبا، التي تتغنى بحقوق الإنسان، فقد اختارت سياسة المقايضة الأخلاقية الكبرى: صفقات الهجرة مقابل الصمت السياسي. لقد تحولت معاناة الكورد إلى بند تفاوضي، حيث يُفضّل احتواء اللاجئين خارج الحدود على مواجهة جرائم التطهير العرقي داخل سوريا. هذا الصمت الدولي ليس حيادًا، بل تواطؤ بنيوي.
في هذا السياق، تلعب روسيا دورًا مركزيًا ضمن استراتيجية إبقاء النزاع ضمن توتر قابل للإدارة، بينما تركيا تنظر إلى روج آفا كتهديد أمني داخلي، وتسعى لمنع أي نموذج حكم ذاتي كردي يمكن أن يعيد تشكيل الوعي القومي للكورد داخل تركيا نفسها.
هذا البعد يتقاطع مع طموحات العثمانية الجديدة التي تسعى إلى إعادة إنتاج النفوذ التركي في المجال الحيوي السابق، مستفيدة من انهيار الدولة الوطنية السورية وتفكك النظام الإقليمي العربي.