الكلمة، حين تتحول إلى سلاح ضد الوطن

الكلمة، حين تتحول إلى سلاح ضد الوطن
الكلمة، حين تتحول إلى سلاح ضد الوطن

أحيانًا أجلس وأفكر، ما الذي يدفع الإنسان أن يسيء إلى بلده؟ أن ينشر ما يسيء إليه، أو يروّج لأخبار غير مؤكدة، أو يأخذ صورة لشخص في موقف معيّن، ويعممها وكأنها ظاهرة تمثل وطنًا بأكمله؟

أستغرب كيف أصبح بعض الناس يتعاملون مع البلد وكأنه ليس بيتهم، وكأنّهم يتكلمون عن غريب، لا عن وطن أعطاهم اسماً وذاكرة وهوية.

هناك من يظن أنه حين يهاجم أو ينتقد بطريقة جارحة أنه يمارس حرية التعبير، لكنه في الحقيقة يساهم في تسقيط صورة وطنه.

النقد لا يكون تسقيطًا، النقد الحقيقي هو بحث عن الإصلاح، هو رغبة في التغيير نحو الأفضل، أما الإساءة فهي تشويه وتدمير.

وللأسف، أحيانًا لا تكون هذه التصرفات بريئة.

بعض الذين يشيعون الأخبار المضللة، أو يثيرون الفتن على وسائل التواصل ليسوا مجرد أشخاص غاضبين أو ناقدين، بل قد يكونون جندًا من الداخل أو الخارج، يتحركون ضمن أجندات وأفكار تهدف لخلق الفوضى والانقسام.

وهناك من يعمل ضمن صراعات الأحزاب أو الطوائف أو مراكز النفوذ، فيستغل أي حدث صغير ليشعل به فتيل الكراهية.

والأخطر أن بعض الناس تنساق خلف هذه الحملات دون وعي، يشاركون الأخبار دون التحقق، يساهمون في إشاعة الخوف أو الحقد أو الإحباط، في وقتٍ نحن أحوج ما نكون فيه إلى الكلمة الطيبة التي تبني، لا الكلمة التي تهدم.

البلد مثل الأم، لا يجوز أن نفضحها أمام الغرباء، حتى لو فيها عيب أو مشكلة، نصلحها داخل البيت.

كل وطن فيه أخطاء، لكن لا يجوز أن نسمح لأحد أن يستخدم أخطاءنا ضدنا.

بعض المنشورات تُكتب وكأنها من قلب الغيرة، لكنّها في الحقيقة تزرع الشكّ واليأس.

حين يقول أحدهم: “البلد انتهت، لا خير فيها”، فهو لا يدرك أنه بهذه الجملة البسيطة يكسر الأمل في قلوب الناس.

وأنا أقول: لا، الأوطان لا تموت طالما فيها من يؤمن بها، طالما فيها من يزرع ويكتب ويعمل ويُخلص.

علينا أن ننتبه — فاليوم الإعلام سلاح، والصورة قد تُستخدم لتدمير وعي أمة.

لهذا أقول دائمًا: قبل أن تشارك أو تكتب، اسأل نفسك، هل ما سأقوله ينفع وطني أم يضره؟

هل أنا أساهم في النور أم أزيد الظلمة؟

يسيئون إلى بلدهم عبر مواقع التواصل،

• ينشرون أخبارًا مضللة أو صورًا جزئية،

• يشيعون الفوضى والتسقيط دون وعي أو بدوافع سياسية أو طائفية،

• وقد يكون بعضهم مدفوعًا من جهات داخلية أو خارجية أو صراعات سلطة وأحزاب.

في زمنٍ صارت فيه الكلمة أقوى من الرصاصة، بات بعض الناس يستخدمونها بلا وعي أو مسؤولية، ينشرون ما يسيء إلى بلدانهم، أو يختلقون القصص، أو يلتقطون صورة واحدة، فيعمّمونها وكأنها تمثّل وطنًا بأسره. هذه الظاهرة لا يمكن تفسيرها بسطحية أو اتهام جاهز؛ فهي مركّبة، تتداخل فيها الدوافع النفسية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية، وأحيانًا حتى الخارجية والدينية.

من الناحية الاجتماعية، كثير من الذين يساهمون في حملات التشويه يعيشون داخل دوائر مغلقة تعيد إنتاج الغضب والخوف. هم أشخاص يبحثون عن الانتماء في جماعات رقمية تمنحهم شعورًا بالهوية عبر السخط. كلما تضخمت حالة التذمر الجماعي، شعر الفرد بأنه جزء من قضية أو ثورة أو بطولة، فينشر دون تفكير؛ لأنه يظن أنه يدافع عن الحقيقة، بينما هو يكرّس الفوضى.

ومن منظور علم النفس، هناك دوافع شخصية خفية. بعضهم يعاني عقدة نقص تدفعه إلى كسر الرموز ليشعر بتفوقٍ زائف. آخرون مدفوعون بالحقد أو الغيرة أو خيبة الأمل. وهناك من يجد في التشهير نوعًا من التنفيس العاطفي عن غضب مكبوت أو إحباط متراكم. في كل الحالات، السلوك الخارجي ما هو إلا انعكاس لاضطراب داخلي يحتاج إلى وعي وإصلاح، لا إلى تبرير أو تسويق.

أما من باب الأخلاق، فالفارق كبير بين النقد النبيل الذي يريد الإصلاح، وبين التسقيط الذي يريد الإيذاء. النقد أخلاقي حين يكون بنّاءً، مدعومًا بالمسؤولية، أما من يشهّر ويعمّم ويسخر من أبناء بلده، فهو يساهم في كسر الصورة الإنسانية لوطنه، حتى وإن ظن أنه يمارس الحرية. الحرية بلا ضمير تتحول إلى فوضى، والكلمة بلا نية صافية تصبح سمًّا يسري في جسد الأمة.

وفي البعد السياسي، تتضح الصورة أكثر. فوسائل التواصل لم تعد مجرد مساحة للتعبير، بل تحولت إلى ساحات حرب ناعمة، تُستخدم فيها الجيوش الإلكترونية لتوجيه الرأي العام. هناك جهات داخلية تتصارع على السلطة، وأخرى خارجية تموّل حملات منظمة لزعزعة الثقة بالعملية السياسية. أحيانًا تكون هذه الصراعات حزبية أو فئوية أو قبلية، وأحيانًا طائفية، تُغذَّى بشعارات مذهبية من داخل البلد، أو من خارجه.

فمرّة تكون السنة والشيعة طرفي النزاع، ومرات يكون النزاع بين قبائل أو تيارات متنازعة على النفوذ، وكل فريق يحاول إسقاط الآخر عبر حملات التشويه الممنهجة. ومرات مسيحي ومسلم ومرات قبلي وعشائري ومرات حزبي ومرات داخل الحزب نفسه أو داخل الطائفة نفسها ومرات خارجي يحارب فئة معينة بالداخل ومرات داخلياً يحارب داخلي ومرات يحارب الوطن بأكمله (علما أن كل واحد من هذه الأمثلة هي أضعاف للوطن ككل)

تتداخل هذه الصراعات مع الحروب الإعلامية التي تشنّها أطراف خارجية، إذ تدرك أن تفكيك المجتمع من الداخل أسهل من مواجهته من الخارج. فتُطلق آلاف الحسابات الوهمية لتضخيم الأحداث الصغيرة وتشويه الرموز الوطنية وزرع الشك بين المواطن ودولته. والنتيجة أن المواطن البسيط يُستدرج إلى لعبة لا يدرك أنه إحدى أدواتها.

لكن لا يمكننا أيضًا أن نعمم الاتهام، فهناك أشخاص يسيئون من دون قصد، بدافع الجهل أو السذاجة أو سوء الفهم. هؤلاء يحتاجون إلى التوعية لا إلى الإدانة، لأن الحل لا يكون في التجاهل، بل في رفع الوعي الجمعي، وتعليم الناس كيف يميّزون بين المعلومة والدعاية، بين النقد الحقيقي والافتراء الموجَّه.

المنصات بدورها تتحمل جزءًا من المسؤولية. فهي تسمح أحيانًا بانتشار الأكاذيب أكثر مما تتيح للمعلومة الدقيقة أن تصل. عليها أن تطوّر أدواتها لحذف المحتوى المضلل وتعقب الحسابات الوهمية، لأن ما يجري لم يعد مجرد تفاعل عفوي، بل صناعة متقنة للرأي، وأحيانًا سلاح لتدمير المجتمعات.

المشكلة ليست فقط في من يكتب، بل في من يصفق له أيضًا. فالقارئ الواعي لا يحترم من يشتم بلده، حتى لو ضغط إعجابًا، أو ترك تعليقًا مجاملاً، لأنه في داخله يشعر بالاشمئزاز من شخص يسيء إلى أهله ووطنه ليكسب لحظة شهرة أو إعجاب.

إن الوطن ليس فكرة عابرة ولا شعارًا يرفع وقت الأزمات. الوطن هو الذاكرة، والكرامة، والانتماء. من حق كل إنسان أن ينتقد، لكن ليس من حق أحد أن يحوّل النقد إلى خيانة أو الحريّة إلى فوضى. من يحب وطنه لا يعرّيه أمام الأعداء، بل يرمّمه بصمتٍ وصدق، ويدافع عنه بالكلمة النزيهة والفعل الشريف. فالأوطان لا تسقط حين تضعف جدرانها، بل حين يسقط وعي أبنائها.

هناك أيضًا من ليس لديهم أجندة واضحة: مجرد أفراد يسهمون في البلبلة بدافع فراغ نفسي أو تحد أو حتى خطأ ساذج. لذلك من الخطأ أن نختزل كل حالة في كونها مؤامرة—لا بد من تشخيص القضية حالة بحالة.

أنماط الحسابات الوهمية التي شاهدناها:

• حسابات جديدة المنشأ، بدون أرشيف حقيقي، عدد متابِعين منخفض، لكنها تنتشر بسرعة عبر إعادة التغريد.

• ملفات شخصية بصور مسروقة (صورة شخص آخر أو صورة رمزية من الإنترنت.

• أسماء غامضة أو رموز، وصفحات تبدو وكأنها شبكات بوت.

• تعليقات مكررة بالصياغة نفسها على منشورات متعددة (نمط الآلي.

• صفحات تُعيد تغريد مواد من حسابات خارجية محددة بالتوقيت نفسه (تنسيق منسق يظهر كحملة.

كيف يجب أن نواجه هذا؟ — حلول عملية

1. التعليم الرقمي والوعي: برامج توعية للمواطنين عن كيفية التحقق من المصادر (تحقق من تاريخ إنشاء الحساب، تحقق من الصور عبر البحث العكسي، لا تنشر قبل التحقق.

2. قوائم تدقيق سريعة قبل المشاركة: من صنع المنشور؟ هل الحساب موثّق؟ هل هناك مصدر رسمي؟ هل الصورة مفصّلة أم مقطوعة؟

3. مقاربة قانونية: تشجيع قوانين تحظر التحريض والتشهير عبر الإنترنت مع حماية حرية التعبير، وتفعيل آليات سريعة للبلاغات ومعاقبة الحسابات الوهمية والمنشورات المضللة.

4. دور المنصات: على مواقع التواصل أن تكون مسؤولة — نظام تحقق أفضل، إجراءات لإزالة المحتوى المفبرك بسرعة، شفافية عن مصادر الحملات المدفوعة.

5. المجتمع المحلي والديني والقبلي: إجراء حوارات مجتمعية لتفكيك الروايات الطائفية والقبلية وتعزيز خطاب التعايش.

6. الرد الإعلامي المنهجي: مؤسسات الدولة والمجتمع المدني يجب أن تجهز ردودًا سريعة مبنية على حقائق، وليس مواجهة بكلمات عاطفية تزيد الاحتقان.

7. قوائم أسماء وهمية ونماذج: توثيق عينات من الحسابات الوهمية لأنماطها يساعد على رصد الحملات القادمة.

نتائج وسيناريوهات محتملة إن لم نتحرك:

• فقدان الثقة العامّة بالمؤسسات، وتراجع المشاركة المدنية.

• تصاعد العنف المجتمعي على أساس شائعات.

• استغلال خارجي يؤدي إلى تدخلات سياسية أو اقتصادية.

نحن لا ننكر وجود مشاكل، لكن نشر الكلام بشكل عشوائي أو تشويه الأشخاص ليس حلًا — هو الجزء الذي يسهِم في انهيار المجتمع. الحل يبدأ بالوعي، بالمسؤولية، وببناء مؤسسات قوية قادرة على الردّ بالحقائق.

الوطن لا يحتاج لمن يبيعه بشهرة أو إعجاب أو حتى بالمال، ولا لمن يجلده بالحقد، بل لمن يراه بعين الحبّ والعدل.

ومن يحب وطنه حقًا، لا يكون صوته صراخًا ولا قلمه سلاحًا ضد وطنه، بل ضوءًا يبدد الظلام، وفكرًا يُصلح، لا يفضح وموقف ثابت لا يغيره مال ولا منصب موعود من أصحاب الأجندات المخربة فلا خير بمن لا يحب وطنه، ويغار على سمعته بين الناس وحدها مني نصيحة تأكد لا أحد يحترم من يذم بوطنه أبدا، فسيبقى صغيرا منكرا بأعين الناس