العالم الذي صنع الخرائط… إلى متى يرفض تصحيح خطئه التاريخي؟

العالم الذي صنع الخرائط… إلى متى يرفض تصحيح خطئه التاريخي؟
العالم الذي صنع الخرائط… إلى متى يرفض تصحيح خطئه التاريخي؟

منذ اللحظة التي وُلد فيها الشرق الأوسط الحديث، لم تُصنع خرائطه بمنطق الشعوب، بل بمنطق القوة التي صاغتها الإمبراطوريات لتتحكم بمصير المنطقة لعقود. لم يكن الكورد مجرد ضحية حدود مصطنعة، بل ضحية رؤية جيوسياسية اعتبرت اكتمال وجودهم السياسي تهديدًا لبنية المنطقة وتوازناتها. ومنذ ذلك الحين، تحوّلت القضية الكوردية إلى ملف يُدار ولا يُحسم، وتحوّل الشعب نفسه إلى عنصر يجب احتواؤه لا تمكينه، وإلى معضلة تُسوّى سياسيًا لا حقًا يُعترف به. وانتقلت هذه السياسة المتوارثة من مكاتب لندن وباريس إلى مؤسسات النظام الدولي الحديث؛ فبدل أن تُدار المنطقة بعقلية “الانتداب” التي كانت تفرض الهيمنة بوضوح وقوة مباشرة، أصبحت تُدار اليوم تحت عنوان “حفظ الاستقرار”، وهو الاسم العصري للنهج نفسه ولكن بلغة أممية أكثر نعومة. وهكذا تحوّلت أدوات السيطرة من البنادق والاتفاقيات القسرية إلى قرارات دولية تضبط مسار الشعوب وتبقي الأزمات قيد الإدارة لا الحل، ليصبح “حفظ الاستقرار” غطاءً مخمليًا لسياسة واحدة لا تتغير: إدارة الأزمات… لا إنهاؤها.

هكذا ورثت الأمم المتحدة الخرائط كما هي، وورثت معها الصمت نفسه، حتى أصبحت كوردستان أكبر عقدة جيوسياسية مؤجلة في التاريخ المعاصر. فبينما تحصل شعوب صغيرة على دولها خلال فترة قصيرة، كما حدث في جنوب السودان وكوسوفو وتيمور الشرقية ، تبقى كوردستان، بكل مقومات الدولة، ملفًا لا يُفتح إلا ليُغلق من جديد. الدول تُصنع للآخرين، أما الكورد فتُمنع عنهم الدولة حتى عندما يقررون مصيرهم عبر استفتاء تاريخي. لم يكن استفتاء 2017 مجرد خطوة سياسية، بل كان اختبارًا لصدق النظام الدولي، وعندما صمتت الأمم المتحدة وتراجعت القوى الكبرى عن مبادئها، اتضحت الحقيقة: أن هناك فيتو غير معلن يمنع الكورد من عبور عتبة الدولة، مهما كانت شرعيتهم، ومهما كان الحق واضحًا أمام العالم.

لكن الصمت لم يكن هو السلاح الوحيد؛ فقد دخلت كوردستان مرحلة أخطر: مرحلة الحرب الصامتة. إنها حرب تُدار في مطابخ مغلقة لا على جبهات، حرب أدواتها الاقتصاد والطاقة والإعلام والقانون، لا الدبابات والمدافع. وكلما حاول الإقليم أن يبني مؤسسات قوية أو يعزز اقتصاده أو يثبت استقلال قراره، تُوجَّه إليه ضربات سياسية مُحكمة، لا ضجيج فيها، لكنها تُصيب البنية العميقة للاقليم إصابات أشد من صوت المدافع. تبدأ بقطع الرواتب وتجميد المستحقات، وتمتد إلى إغلاق المنافذ وخنق الحركة التجارية، ثم تستهدف عمود الاقتصاد النفطي والغازي، وصولًا إلى شلّ قطاع الكهرباء والتلاعب بثقة الناس عبر إعلام موجّه ومنصات تُهندس الرأي العام وفق مصالح ليست بريئة.

وهنا يكمن جوهر المشكلة: ليست كوردستان ضحية ضعف، بل ضحية قوّة يخشاها الآخرون. فقيام دولة كوردية يعني إسقاط توازنات صُنعت قبل قرن، وخلق نموذج ديمقراطي ناجح في منطقة تخاف فيها الأنظمة من نجاح الشعوب، وإعادة رسم خريطة صاغها العالم من دون الكورد. ولذلك يُفضّل النظام الدولي أن يبقى الخطأ التاريخي قائمًا، لأن تصحيحه يعني تحولًا جيوسياسيًا لا تريده القوى الكبرى ولا الإقليمية.

إنّ المأساة الكوردية اليوم لا تكشف ضعف الأمم المتحدة، بل تكشف زيف الدور الذي تدّعيه. فالمؤسسة التي شُكّلت لنصرة المظلومين أصبحت، عند حدود كوردستان، شاهدًا صامتًا يُعيد إنتاج الظلم بدل رفعه. أما قادة الدول الذين يعتلون المنابر ليهتفوا لحقوق الإنسان، فخطاباتهم لا تتجاوز حدود الأقنعة السياسية التي تسقط بريقها عندما يصل الحديث إلى حقوق الكورد. ويبقى السؤال الذي يهرب منه العالم: إلى متى يستمر النظام الدولي في رفض تصحيح خطئه التاريخي؟ وإلى متى يبقى حقّ شعب كامل مؤجلاً لحسابات دول لا ترى في العدالة مبدأً، بل ورقةً على طاولة المصالح؟

إنّ العالم لا يعجز عن نصرة الكورد… بل يختار ألّا يفعل. والعدالة التي تُؤجَّل لا تُلغى، والشعوب التي تُحاصر لا تُمحى، وكوردستان، مهما تأخرت، ستبقى الحقيقة الجيوسياسية التي يحاول العالم الهروب منها لكنها لن تختفي.