د. إبراهيم أحمد سمو
كاتب كوردي
ما نترقبه قد يحدث قريبًا
بينما نتابع المشهد السياسي المتسارع، وتنهال الأخبار والتصريحات من هنا وهناك، وتتزاحم الأحداث داخل البلاد وحولنا، تتضح ملامح مرحلة استثنائية قد تكون أقرب مما نتوقع. فالمفاجآت، وفق المعطيات الحالية، لم تعد بعيدة عن المنظور، بل إن تأثيراتها المحتملة قد تمتد لتشمل المنطقة بأسرها، وربما تعيد رسم خرائط الشرق الأوسط من جديد. التغيرات السياسية باتت أسرع من سرعة البرق، وما كنا لا نحمد عقباه في الأمس قد نجد أنفسنا نحمده غدًا، وما كان يُحسب ضدنا قد يتحول فجأة إلى عامل في صالحنا.
المسار الذي يتشكل بعد عطلة رأس السنة لن يكون امتدادًا طبيعيًا لما قبلها. فالأمر، بالنسبة لمن لا ينام على وقع الأخبار والمؤتمرات الصحفية والتصريحات السياسية، أصبح أكثر من واضح. ويزداد وضوحًا حينما يكون دونالد ترامب حاضرًا في المشهد؛ ذلك الرجل القادر، خلال ساعات، على قلب المعادلات وتبديل الخرائط، إن اقتنع بوجهة نظر معينة أو رأى فيها مصلحة أمريكية مباشرة. بالنسبة له، القرار لا يكون مجرد موقف سياسي، بل صفقة، وبازار مفتوح، وما دام العائد يخدم الولايات المتحدة، فلا خطوط حمراء ثابتة.
ما نستشعره اليوم هو أن تيار التغيير قادم لا محالة، سواء مما يُصرّح به ترامب علنًا، أو مما يُخفى خلف كلماته وحساباته. ولا سيما مع بروز تصريحات ممثله الخاص، القادم بخطاب مختلف، أكثر وضوحًا وحدّة، خالٍ من المجاملات أو اللغة الدبلوماسية الناعمة. هي تصريحات لا تبدو عشوائية أو بلا أساس، بل تنطلق من قناعات راسخة تشكل جزءًا من الاستراتيجية الأمريكية الأوسع في المنطقة.
نحن، كمتابعين وربما هواة تحليل في بعض الأحيان، لا نجد أنفسنا أقل فهمًا للمشهد من أولئك الذين يظهرون على الشاشات لتحليل الأوضاع. فالمعطيات الميدانية، حين تُقرأ بهدوء، تكشف الكثير. ففي هذا الصباح، وبينما تتجه الأنظار إلى الأحداث الساخنة داخل إيران، ورغم التعتيم الإعلامي النسبي، إلا أن ما يصل عبر الاتصالات الخاصة وقراءة المشهد العام يوحي بأن الأمور قد لا تطول هذه المرة.
منذ السابع من أكتوبر، والمنطقة تشهد تحولات عميقة. حروب متلاحقة، تراجع أدوار، وانكشاف أوراق. خروج حزب الله من مواقع عدة، ومقتل عدد من قياداته البارزة، وقبل ذلك اغتيال قادة حماس، كلها مؤشرات على مرحلة جديدة لا تشبه ما قبلها. يضاف إلى ذلك الوضع المستجد في سوريا، حيث سُحبت القوات الإيرانية التي كانت قد دخلت الأراضي السورية قبل نحو أربعين عامًا، وعادت إلى داخل حدودها، في خطوة تحمل دلالات سياسية وأمنية بالغة الأهمية.
الولايات المتحدة وإسرائيل لا تبدوان مكتفيتين بما تحقق حتى الآن، بل تمضيان في سياسة الضرب بيد من حديد، مستهدفتين المنشآت الحساسة، بما فيها المنشآت والمفاعلات النووية. وما زال الملف مفتوحًا على كل الاحتمالات، فقد يحدث التصعيد في أي لحظة، وربما بعد عطلة رأس السنة مباشرة، لا سيما مع عودة نتنياهو من الولايات المتحدة، حيث تُرسم التفاهمات الكبرى بعيدًا عن الأضواء.
وفي هذا السياق، يبدو أن الوضع في العراق بات، من وجهة نظر الولايات المتحدة وإسرائيل، غير قابل للاستمرار بالشكل الحالي. فمشهد حكم الميليشيات، وتعدد مراكز القرار، وتحول البلاد إلى ساحة صراع بالوكالة، كلها عوامل تجعل العراق بندًا أساسيًا في جدول المرحلة القادمة. هذه ليست مجرد تكهنات، بل نقاط أولية تُكتب في رأس سطر ما قد يكون قادمًا.
أمام كل ذلك، يصبح لزامًا علينا، نحن الكورد ، أن نقرأ المشهد بعين الحكمة لا الانفعال. المطلوب اليوم هو المزيد من الاتحاد، والترقب الواعي، وضبط النفس. فالحروب لها سياقاتها، ومن ينجح هو من يعرف كيف يخرج منها سالمًا، ثابتًا، وربما مستفيدًا، لا من يتورط في معارك لا تعنيه مباشرة.
قد يكون من الأفضل لنا أن نبقى خارج الدائرة، نراقب ما يجري داخلها، نحلل، نفهم، ونستعد، بدل أن نُستدرج إلى صراعات قد يدفع ثمنها الجميع. فالتاريخ علّمنا أن من يُحسن التوقيت، ويعرف متى يتقدم ومتى يتراجع، هو من يحجز لنفسه موقعًا آمنًا في خرائط ما بعد العواصف.
وما بعد كل هذا، سيكون لكل حادث حديث