زمن القرار الواحد: من فنزويلا إلى الشرق الأوسط في عهد ترامب

زمن القرار الواحد: من فنزويلا إلى الشرق الأوسط في عهد ترامب
زمن القرار الواحد: من فنزويلا إلى الشرق الأوسط في عهد ترامب

لم يعد الزمن السياسي كما كان من قبل. فالعالم الذي بُنيت توازناته على مدى عقود، بات اليوم مهددًا بالانهيار خلال ساعات أو أيام. ما شُيّد في سنوات طويلة من التحالفات، والاصطفافات، والتفاهمات الدولية، أصبح هشًّا أمام إرادة قوة واحدة ترى أنها صاحبة القرار الأوحد في العالم. هذا التحول لم يعد خفيًا، بل صار واضحًا في الخطاب السياسي الأمريكي، خصوصًا خلال فترة حكم دونالد ترامب، حيث تحوّلت الأقوال إلى أفعال، والإشارات إلى أوامر غير معلنة، لكنها نافذة.

في زمن ترامب، لم تعد المؤتمرات الصحفية مجرد استعراض إعلامي، بل باتت رسائل سياسية مباشرة للعالم. ما يقوله الرئيس الأمريكي يُفهم على أنه قرار، وما يلمّح إليه يتحول إلى فعل على الأرض. الحلفاء والخصوم على حد سواء باتوا يتحركون ضمن هذا الإطار، يتقدمون أو يتراجعون بحسب ما تريده واشنطن، أو بحسب الضوء الأخضر أو الأحمر الصادر عنها.

لقد تغيّرت معادلة النظام الدولي. لم يعد العالم يقبل بوجود جناحين قويين كما كان في زمن الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، ولا حتى بتعدد مراكز القوة مع أوروبا أو غيرها. الولايات المتحدة، في عهد ترامب، أعلنت بوضوح – وإن لم يكن نصًا – أنها لا تقبل شريكًا في القرار العالمي، وأن زمن التوازنات الدقيقة قد انتهى.

هذا الفهم يفسر الكثير مما جرى ويجري في الشرق الأوسط. فإسرائيل، على سبيل المثال، لم تكن لتتصرف في غزة ولبنان بتلك الجرأة لولا الغطاء الأمريكي الواضح. ما حدث هناك لم يكن مجرد ردود فعل أمنية، بل جزء من سياق أوسع تُدار خيوطه من واشنطن. وكذلك الحال في سوريا، حيث لعبت الإشارات الأمريكية دورًا حاسمًا، سواء عبر السماح لقوى إقليمية بالتدخل، أو عبر كبح أطراف أخرى. الإشارة الحمراء لتركيا في لحظة ما، والإشارات الخضراء لجماعات مسلحة في لحظات أخرى، كانت كفيلة بتغيير مسار الأحداث، وصولًا إلى تغيير النظام نفسه.

أما استهداف قادة حركات مسلحة كحماس وحزب الله، فقد جاء تباعًا ضمن استراتيجية تقوم على الضربات المركّزة، باستخدام أسلحة ثقيلة وتكنولوجيا متقدمة، وبمشاركة أو دعم أمريكي مباشر أو غير مباشر. الرسالة كانت واضحة: لا خطوط حمراء خارج الإرادة الأمريكية.

إيران كانت الهدف الأكبر في هذا السياق. فقد سعى ترامب إلى جرّها إلى ما يشبه (حرب الأيام)؛ عبر تصعيد اقتصادي وعسكري متدرج، وصولًا إلى استخدام قنابل ذات وزن ثقيل، وطائرات قيل إنها استُخدمت لأول مرة، في ضرب منشآت حساسة كمفاعل نووي. لم يكن الهدف مجرد تدمير موقع، بل إدخال إيران في مرحلة إنهاك استراتيجي تمهّد لتغيير أعمق في توازناتها الداخلية والإقليمية.

وفي خضم هذه التحولات، برز نموذج اليمن الجنوبي كجزء من المشهد العام. فالدفع الأمريكي غير المباشر للسعودية، وتعزيز دور التحالف العربي، كان يهدف إلى إعادة رسم الخريطة اليمنية. التغير الجذري بات وشيكًا، والحوثيون، الذين شكلوا لسنوات عامل قلق إقليمي، أصبحوا في موقع تراجع واضح، بل يواجهون احتمال الزوال السياسي والعسكري.

لكن المثال الأوضح، والأكثر دلالة، جاء من خارج الشرق الأوسط: فنزويلا. الدولة التي كانت حتى وقت قريب تتحدى الولايات المتحدة، وتلوّح بالمضادات الإيرانية، وجدت نفسها فجأة في موقف غير مسبوق. اعتقال رئيسها وزوجته – أو وضعهما تحت سيطرة مباشرة – لم يكن حدثًا معزولًا، بل رسالة صريحة لكل من يظن أن التحدي العلني لواشنطن ممكن بلا ثمن. فنزويلا هذا الصباح أصبحت نموذجًا حيًا لما يمكن أن يحدث لأي دولة تخرج عن المسار المرسوم أمريكيًا.

حتى التصريحات المتعلقة بالعراق لم تكن عشوائية. تصريحات الممثل الأمريكي الخاص جاءت محسوبة بدقة، وفي توقيت حساس، وكأنها تحذير مبطن بأن الدور قد يصل إلى القريب جدًا من محيطنا العربي. الرسالة واحدة: من لا يلتزم بالإيقاع الأمريكي، قد يكون الهدف التالي.

إننا أمام مرحلة جديدة في العلاقات الدولية، مرحلة القرار الواحد، حيث ترى الولايات المتحدة نفسها المرجع الأعلى، وصاحبة الكلمة الفصل. السوفييت – أو من تبقى من إرثهم السياسي – بدأوا يدركون هذا الواقع، كما أدركته دول في أمريكا اللاتينية، والشرق الأوسط، وآسيا.

في هذا الزمن المتسارع، لم يعد السؤال: ماذا سيحدث؟ بل: من التالي؟ وكيف ستتعامل الدول العربية مع واقع لم يعد يحتمل المناورة، ولا يسمح بالحياد الطويل؟