"عفيفة إسكندر"شحرورة الفن التى بدأت مع فاتن حمامة ..من مسارح أربيل إلى السينما المصرية

"عفيفة إسكندر"شحرورة الفن التى بدأت مع فاتن حمامة ..من مسارح أربيل إلى السينما المصرية
"عفيفة إسكندر"شحرورة الفن التى بدأت مع فاتن حمامة ..من مسارح أربيل إلى السينما المصرية

وصفها النقاد فى مصر بأنها الشحرورة التى أبدعت فى الأغنية والسينما، وشاركت فاتن حمامة أول اعمالها السينمائية ومن ثم يرونها حالة فنية خاصة كونها غنت ومثلت مع بديعة مصابني وتحية كاريوكا وآكم بمكوهبتها محمد كريم واحمد بدرخان .

عفيفة إسكندر التى كانت قد بدأت مسيرتها وهى طفلة على المسرح في مدينة أربيل في أواسط الثلاثينيات، وكانت أول حفلة أحيتها عام 1935. انتقلت بعدها إلى بغداد، وغنّت في أرقى ملاهي العاصمة آنذاك، وتنقّلت فيما بينها، محققةً شهرة واسعة خلال تلك الفترة. وقد غنّت بلغات عدة، منها الكردية والألمانية واليونانية، واشتهرت بإجادتها مختلف ألوان الغناء والمقامات العراقية، ولا سيما الأغاني البغدادية.

ثم انتقلت إلى القاهرة لتصبح واحدة من نجمات الغناء والسينما، حيث عملت مع فرقة “بديعة مصابني”، ثم اختارها المخرج الكبير محمد كريم، إلى جانب سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، لتكونا أول وجهين سينمائيين يقدّمهما في فيلمه الشهير “يوم سعيد” مع الموسيقار محمد عبد الوهاب. وخلال وجودها في مصر، تعرّفت على الشاعر إبراهيم ناجي، الذي كان له أثر كبير في تكوينها الثقافي، وجعلها أكثر شغفًا بالاطلاع والمعرفة.

قدّمت عفيفة العديد من الأغنيات، من بينها: “يا عاقد الحاجبين”، و”غبت عني فما الخبر”، و”مسافرين”. وبلغت شهرتها ذروتها في العالم العربي عندما قدّمها المخرج الكردي أحمد بدرخان في فيلمه “القاهرة – بغداد” عام 1947، وهو أول إنتاج سينمائي مصري–عراقي مشترك. وتدور أحداث الفيلم حول كاتب عراقي شاب يهرب إلى القاهرة بعد اتهامه بقتل عمه، فيقيم عند صديق له ويتعرّف إلى ابنته، ويقع في حبها ويتزوجها. ويكتب الشاب في الصحف باسم صديقه، ثم يُقبض على قاتل العم الحقيقي، فيأتيه شاب من العراق ليبلغه بتطورات القضية.

وعلى الرغم من مغادرتها مصر وعودتها إلى بغداد، حيث عاشت حتى رحيلها، فإنها أثّرت تأثيرًا بالغًا في السينما والغناء المصريين. وكانت الفنانة تحية كاريوكا تقول إن الفن المصري افتقدها، وإنه كان بإمكانها الاستمرار في السينما المصرية وتقديم عشرات الأفلام، نظرًا لتنوّع موهبتها، إذ كانت تغني وتمثّل في آنٍ واحد، فضلًا عن قدرتها على إتقان لغات ولهجات متعددة.

ميلاد ونشأة كوردية

وُلدت عفيفة إسكندر في العاشر من ديسمبر عام 1921 في مدينة الموصل العراقية، لأسرة موسيقية ذات جذور متعددة؛ فكان والدها كرديًا من أصول عراقية، ووالدتها يونانية. وقد قالت قبل رحيلها، وهي في العقد الثامن من عمرها، إنها ظلت طيلة حياتها مدينةً لأربيل بالفضل، وتمنت لو قضت أيامها الأخيرة فيها.

كانت البداية الفنية الحقيقية لعفيفة في أربيل، حيث أحيت أولى حفلاتها وهي في نحو الرابعة عشرة من عمرها. في تلك المرحلة، قدّمت المقام العراقي التقليدي، وأظهرت قدرة نادرة على التحكم في طبقات الصوت والتنقّل بين النغمات الدقيقة، ما أكسبها تقديرًا واسعًا من جمهور المدينة. وشكّلت هذه البداية حجر الأساس لمسيرتها الفنية، إذ فتحت أمامها الطريق إلى بغداد، التي أصبحت لاحقًا مركز حياتها الفنية.

 

رومانسية ووطنية

في بغداد، تميّزت عفيفة بأدائها المتنوّع، من الأغاني الوطنية إلى الرومانسية والمقامات التقليدية. وبرزت في حفلات الصالونات والمهرجانات العامة، حيث أبهرت الجمهور بصوتها القوي وقدرتها على التعبير العاطفي العميق. وكان حضورها على خشبة المسرح تجربة فنية متكاملة، جمعت بين الدقة الموسيقية وروح الطرب العراقي الأصيل.

ومع اتساع شهرتها في العراق، قررت عفيفة توسيع نشاطها الفني بالانتقال إلى مصر، التي كانت آنذاك مركزًا للفن والإذاعة والسينما العربية. وصلت القاهرة في أواخر الثلاثينيات، وانخرطت في عالم فني أكثر تنوعًا، وتعرّفت على أساليب الغناء المصرية من دون أن تفقد هويتها العراقية. وأحيت حفلات في المسارح والنوادي الفنية، وشاركت في أعمال سينمائية، حيث مزجت بين الغناء العراقي الأصيل والمدرسة الطربية المصرية، محققةً تفاعلًا واسعًا مع الجمهور.

سنوات التالق في مصر

رغم أن مشاركاتها السينمائية لم تكن كثيرة، فإن تأثيرها في الوسط الفني المصري كان واضحًا، إذ عُدّت صوتًا مختلفًا عن الأصوات النسائية التقليدية. وقدّمت للجمهور تجربة موسيقية جديدة، قريبة من روح التراث العراقي، لكنها منسجمة مع الذائقة العربية العامة. وأسهمت هذه التجربة في إثراء خبرتها الفنية، وجعلتها رمزًا للجسر الثقافي والفني بين العراق ومصر.

بعد سنوات من العمل والإقامة في مصر، عادت عفيفة إلى بغداد، حيث واصلت نشاطها الفني وشاركت في المهرجانات الرسمية والحفلات الثقافية، وقدّمت مزيجًا من الأغاني الوطنية والرومانسية والشعبية. وخلال مسيرتها، سجّلت أكثر من 1500 أغنية، أصبحت كثير منها جزءًا أصيلًا من التراث الغنائي العراقي.

ولم يقتصر حضورها على بغداد وحدها، بل حافظت على مكانتها في أربيل والمناطق الكردية الشمالية، حيث كانت مصدر فخر لجمهورها الكردي، وعكست في فنها تلاقحًا ثقافيًا بين التراث الكردي والفن العربي. وقد شكّلت أربيل بيئة داعمة لتطوّرها المبكر، قبل انتقالها إلى بغداد ثم القاهرة.

وأشار أحد كبار النقاد إلى أن “عفيفة إسكندر لم تكن مجرد مطربة، بل كانت مدرسة متكاملة في الأداء الصوتي، قادرة على نقل المشاعر الإنسانية بصدق، مع الحفاظ على أصالة التراث العراقي”، وهو ما يعكس مكانتها الرفيعة في الوسط الفني.

وعلى الرغم من نجاحاتها الكبيرة، قررت عفيفة الاعتزال عام 1979، متأثرةً بالظروف السياسية والاجتماعية في العراق. لكنها ظلّت حاضرة في الذاكرة الثقافية والفنية للجمهور. وعاشت سنواتها الأخيرة بعيدًا عن الأضواء حتى وفاتها في بغداد عام 2012 عن عمر ناهز 91 عامًا.

تُعدّ عفيفة إسكندر رمزًا خالدًا في التراث الغنائي العراقي والعربي، إذ جسّدت نموذج الفنانة القادرة على الجمع بين أصالة التراث والانفتاح على التجارب الموسيقية الأخرى. ولا يزال إرثها الغنائي حاضرًا، يُستمع إليه داخل العراق وخارجه، وتحتفي به المؤسسات الثقافية العربية بوصفها واحدة من أعظم الأصوات النسائية في تاريخ الغناء العربي.

في العهد الجمهوري، تعرّضت الفنانة عفيفة إسكندر للاضطهاد في حكم الرئيس عبد السلام عارف، فاختارت منذ ذلك الحين الانعزال وإغلاق بابها على نفسها. ومع مرور الزمن، كثرت الشائعات حول وفاتها بسبب هذه العزلة، واستمر تداولها حتى بعد عام 2003، حين بدأت تظهر مجددًا في المنتديات التي احتفت بها وكرّمتها. غير أن المرض أنهكها، ولازمها لفترات طويلة، واشتدّ مع مرور الأيام.

وفي سنواتها الأخيرة، ضعف بصرها بشكل كبير، وعانت كثيرًا، لا سيما بعد اتهام أحد معجبيها لها في قضايا مشبوهة. ورغم ما واجهته من معاناة ومرض، بقيت عفيفة ملتصقة بتراب العراق، صامتة، ولم تغادره حتى رحيلها.ولكنها تحظى بحب وتقدير فى مصر التى تألقت فيها وقدمت أعمالا غنائية وسينمائية، وشاركت عمالقة الفن المصري بديعة مصابني وتحية كاريوكا فى أعمالهما الفنية .