د. سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ- ألمانیا
رؤية الرئیس مسعود بارزاني للأمن والاستقرار في سوريا
في سياق إقليمي يتسم بتعقّد التحولات السياسية وتزايد هشاشة منظومات الأمن، تكتسب رسالة الرئيس مسعود بارزاني حول الأوضاع المتوترة في الأحياء الكوردية (الأشرفية و الشيخ مقصود) بمدينة حلب أهمية تحليلية تتجاوز بعدها الظرفي، لتلامس إشكاليات جوهرية في حقل العلاقات الدولية، ولا سيما تلك المتعلقة بإدارة النزاعات، وحماية المدنيين، ومنع انزلاق الصراعات السياسية إلى مواجهات عرقية ذات تداعيات إقليمية واسعة.
إن التحذير الذي أطلقه الرئيس مسعود بارزاني بشأن تصاعد العنف والقتال وما يحمله من تهديد مباشر لحياة المدنيين، إلى جانب خطر التطهير العرقي، ينسجم مع التحولات المفاهيمية التي شهدها الفكر الأمني المعاصر، حيث لم يعد الأمن يُقاس حصراً بقدرة الدولة على فرض السيطرة، بل بمدى قدرتها على ضمان أمن الأفراد والجماعات. وفي هذا الإطار، تندرج مقاربة الرئیس بارزاني ضمن نموذج “الأمن الإنساني”، الذي يضع كرامة الإنسان وسلامته في صلب معادلة الاستقرار المستدام.
ومن زاوية القانون الدولي، فإن الإشارة إلى مخاطر التهجير القسري والتطهير العرقي تمثل تذكيراً صريحاً بالخطوط الحمراء التي أرستها الاتفاقيات الدولية، ولا سيما القانون الدولي الإنساني وقواعد حماية الأقليات. فمثل هذه الممارسات لا تؤدي فقط إلى تفاقم المعاناة الإنسانية، بل تسهم أيضاً في إعادة إنتاج النزاعات، وتقويض فرص بناء سلام طويل الأمد في المجتمعات الخارجة من الصراع.
على المستوى الدبلوماسي، تعكس رسالة الرئيس بارزاني إدراكاً عميقاً لديناميات التحول السياسي في سوريا، حيث ينظر إلى التغيرات الجارية بوصفها نافذة فرصة لإعادة صياغة العقد السياسي على أسس أكثر شمولاً. إن التأكيد على احترام الحقوق المشروعة للشعب الكوردستاني لا يُطرح هنا كمسألة فئوية، بل كجزء لا يتجزأ من تسوية وطنية شاملة، قادرة على معالجة جذور الأزمة السورية ضمن إطار من التعددية السياسية والمواطنة المتساوية.
ويبرز دور الرئيس مسعود بارزاني في هذا السياق كفاعل سياسي إقليمي يعتمد أدوات الدبلوماسية الوقائية، التي تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تحولها إلى صراعات مفتوحة. فدعواته المتكررة إلى تجنب تطييف أو عرقنة الصراع، وإلى تحكيم الحوار والوسائل السلمية، تعكس رؤية استراتيجية ترى أن الاستقرار لا يتحقق عبر الإقصاء أو العنف، بل من خلال بناء الثقة، وإدارة الاختلاف ضمن أطر سياسية ومؤسسية.
كما أن تأكيده على ضرورة وقف القتال ومنع تعريض المدنيين لمخاطر الصراع يعكس التزاماً واضحاً بمبادئ المسؤولية الأخلاقية والسياسية للقيادات في أوقات الأزمات. ففي الأدبيات المعاصرة للسلام وحل النزاعات، يُنظر إلى حماية المدنيين بوصفها معياراً مركزياً لشرعية أي عملية سياسية، وليس مجرد نتيجة ثانوية لها.
ختاماً، إن رسالة الرئيس مسعود بارزاني تمثل نموذجاً لخطاب سياسي–دبلوماسي يجمع بين الواقعية السياسية والبعد الإنساني، ويؤكد أن الأمن والاستقرار في سوريا والمنطقة لا يمكن أن يُبنيا على منطق القوة أو الإكراه، بل على الحوار، والعدالة، والاعتراف المتبادل بالحقوق.
وفي منطقة أنهكتها الصراعات الممتدة، تبرز هذه الرؤية بوصفها مساهمة فكرية وسياسية في إعادة تعريف مسارات السلام، على أسس أكثر استدامة وشمولاً.