أحداث حلب بين منطق السلاح وضرورة الحوار: إلى أين تتجه القضية الكوردية؟

أحداث حلب بين منطق السلاح وضرورة الحوار: إلى أين تتجه القضية الكوردية؟
أحداث حلب بين منطق السلاح وضرورة الحوار: إلى أين تتجه القضية الكوردية؟

ولنا في الأحداث الجارية مقال، وفي الإيحاءات التي يبعثها الكُتّاب والمحللون إشارات لا يمكن تجاهلها. منذ يومين أحاول جاهدًا أن أتفادى الحديث عمّا قد يحمله الغد، على أمل أن يكون أفضل، غير أن الغد أتى، ولم نجد جديدًا فعليًا في حلحلة الملف الكوردي في سوريا، لا سيما فيما يتعلق بالعلاقة بين الحكومة السورية من جهة، والكورد من جهة أخرى. فلا توجد رغبة حقيقية في تنظيم الأحوال أو معالجة الجذور، بل إن الواقع القائم يبيّن بوضوح أن القضية تُدفع باتجاه معادلة جامدة: هذا هو النظام، وهذا هم الكورد.

ومنذ أكثر من اثني عشر عامًا، يدير الكورد مناطقهم بنوع من الاستقرار والأمان، بعيدًا عن الفوضى والانجرار إلى الانقلابات أو الحروب العبثية. ولولا هذا الاستقرار، ولولا خيار عدم الانخراط في حرب شاملة ايام سقوط النظام السوري في مراحل سابقة، لما كانت الحكومة الحالية موجودة بالشكل الذي نراه اليوم. ومع ذلك، لم تتوقف النداءات، ولا الدعوات الصادقة للحوار، سواء من الأحزاب الكوردية في الداخل السوري أو في الخارج.

كما أن إقليم كوردستان لعب دورًا واضحًا في الدعوة إلى التهدئة والعودة إلى المنطق السياسي. فقد دعا قادة الإقليم، وعلى رأسهم المرجعية الكوردستانية السيد مسعود بارزاني ، مرارًا إلى اعتماد لغة الحوار بدل لغة السلاح. وكذلك أكد السيد رئيس إقليم كوردستان ورئيس حكومة كوردستان الاقليم ، في أكثر من مناسبة، على ضرورة الجلوس إلى طاولة التفاوض، والعمل بمنطق الشراكة الوطنية، وفق الاستحقاقات الدستورية والسياسية، لا وفق فوهات البنادق ولغة الدبابات.

وكاد الطرفان، في مرحلة ما، أن يصلا إلى تفاهم يرضي الجميع، ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتعايش. إلا أن هذا المسار تعرّض للعرقلة، وبمجرد صدور إيحاءات أو إشارات سياسية تتعلق بفتح صفحة مع إسرائيل، انقلب المشهد رأسًا على عقب. فصار ما هو مباح للبعض محرّمًا على غيرهم، وما يُقبل به طرف يُدان عليه طرف آخر. يُسمح للبعض بإقامة علاقات أو اتصالات، بينما يُجرَّم الكورد أو الدروز أو العلويون إن فكروا بالمسار ذاته، وكأن معيار الحلال والحرام سياسي انتقائي، لا مبدأ ثابت.

ومن خلال ما يُعرض على شاشات التلفاز، وما يصدر من تصريحات هنا وهناك، يتأكد للمراقب أن ما يجري ليس سعيًا حقيقيًا لمدّ الأمان إلى مناطق تعيش أصلًا حالة من الاستقرار النسبي، بل هو استمرار للعبة القتال، وتصعيد عسكري غير مبرر. فالأجواء تزداد صعوبة، والمشهد الإنساني يزداد قتامة، والكورد، مرة أخرى، يُجبرون على النزوح والخروج من ديارهم، تحت وطأة قصف لا مثيل له في سوريا الجديدة.

ولا تزال الصورة غامضة، وكل ما يلمسه المشاهد هو تصعيد عسكري، واستخدام مكثف للدبابات والمدفعية، إلى جانب محاولات واضحة لزرع التطرف، وتحريض النعرات القومية بين العرب والكورد، في وقت كان يفترض فيه العمل على رأب الصدع، لا تعميقه.

ومن هذا المنطلق، نُجدّد النداء إلى اعتماد لغة المفاوضات، رغم تأخرها. فالتنديد وحده، هنا أو هناك، لا يكفي. الجميع مطالب بتحمّل مسؤوليته، والدول الكبرى قبل غيرها، مطالبة بالضغط الجاد، ووقف هذا القتال فورًا، والعمل على إيصال المساعدات، وحماية المدنيين، لأن ما يحدث في النهاية هو تدمير لشعب يتوق إلى الحرية والديمقراطية، ويناضل من أجل مستقبل أفضل لجميع مكوّناته.

لقد أثبت الكورد، عبر تاريخهم القريب والبعيد، أنهم كانوا في الصفوف الأمامية لمواجهة التنظيمات المتطرفة، وكل الحركات الخارجة على القانون، التي اتخذت من القتل منهجًا، ومن العنف طريقًا. وفي المقابل، كان نهج الكورد ولا يزال هو السلام، ثم السلام، ثم السلام. غير أن هذا الخيار لا يعني البقاء متفرجين أمام ما يجري.

إن المسؤولية اليوم جماعية، والأمل ما زال قائمًا بأن تنتهي هذه الأحداث بسلام، وأن ينجح الكورد في الثبات على موقفهم العادل، دفاعًا عن قضيتهم وشعبهم، وهم يعلمون أن شعبهم يقف خلفهم، داعمًا لحق الدفاع المشروع، ومؤمنًا بأن الحل الحقيقي لا يكون إلا بالحوار، والاعتراف المتبادل، والشراكة في وطن يتسع للجميع.