القضية الكوردية كاختبار أخلاقي للخطاب الديني المعاصر

القضية  الكوردية كاختبار أخلاقي للخطاب الديني المعاصر
القضية الكوردية كاختبار أخلاقي للخطاب الديني المعاصر

يُعدّ من أكثر الظواهر إثارة للاستغراب والأسف اتجاه التفكير والرؤية السائدة لدى شريحة واسعة من القيادات والكتّاب والدعاة المنتمين إلى الفكر الإسلامي، إذ يلاحظ عجزٌ واضح لدى كثير منهم عن التحرر من أطر العصبية القومية والفكر الشوفيني الضيق. ويأتي هذا في تناقض صارخ مع التعاليم الإسلامية التي تزخر بنصوص صريحة تدعو إلى نبذ الشوفينية، ورفض التطرف، وإنكار الإقصاء والأنانية، وتؤكد في المقابل على مركزية القيم الإنسانية، وقبول الآخر، واحترام التعدد والاختلاف، باعتبارها مكوّنات أساسية في الدين والحضارة الإسلامية.

وتبرز هذه الإشكالية بشكل أوضح عند وقوع الأزمات والنزاعات والحروب، وما يصاحبها من عنف ودمار وانتهاكات جسيمة للحقوق الإنسانية، حيث يسقط الأبرياء ضحايا لتلك الصراعات. ففي هذا السياق، يُسجَّل لعلماء الدين في كوردستان – وعلى خلاف مواقف شريحة واسعة من علماء العالم الإسلامي – أنهم قدّموا نماذج لافتة في تبني مواقف شجاعة، وإسلامية، وإنسانية، دون تمييز على أساس الدين أو المذهب أو القومية. فقد عبّروا عن دعمهم لمسلمي غزة وفلسطين، وبورما، والبوسنة، كما وقفوا إلى جانب شعوب العراق في أوقات القمع والتهجير، وشاركوا في تقديم العون للمنكوبين بمعزل عن اختلاف الانتماءات الدينية أو القومية. وتُعد هذه المواقف انعكاسًا صادقًا لفهم مقاصدي وإنساني للإسلام.

في المقابل، يلاحظ أن كثيرًا من علماء الدين في دول وشعوب أخرى لا يتخذون الموقف ذاته تجاه القضية الكوردية، ولا سيما فيما يتعلق بالحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي. فعندما يُطرح هذا الملف، تتجه مواقفهم – في الغالب – نحو الإنكار أو الرفض، بل والاصطفاف ضد المطالب الكوردية، في مخالفة واضحة للمبادئ الإسلامية التي تقرّ بالعدل ورفع الظلم ونصرة المظلوم. ويبدو في هذه المواقف تصور ضمني ينزع عن الكورد حقهم في الحياة والهوية والكيان السياسي، وكأنهم لا يستحقون ما تستحقه سائر الأمم من حقوق طبيعية ومشروعة.

وقد تجلّت هذه النزعة الشوفينية بوضوح في المواقف التي أُعلنت إبّان الهجمات التي تستهدف حاليا أحياء ( الأشرفية والشيخ مقصود) في مدينة حلب ،حيث صدرت عن بعض الكتّاب والشخصيات الدينية تصريحات ومواقف عكست فكرًا إقصائيًا يتنافى مع جوهر الإسلام، الذي يؤكد أن المسلمين إخوة، وأن التعدد القومي والعرقي بين البشر هو سنة إلهية ينبغي الاعتراف بها واحترامها، لا إنكارها أو محاربتها.

ويزداد هذا التناقض وضوحًا عند مقارنته بالتوجيهات النبوية الصريحة، إذ يقول النبي محمد ﷺ: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، أي بردعه عن الظلم إن كان ظالمًا، وبنصرته والدفاع عنه إن كان مظلومًا، كما يؤكد ﷺ في حديث آخر: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». وهي نصوص تؤسس لمعيار أخلاقي وإنساني شامل في التعامل مع قضايا الظلم والعدالة.

غير أن الواقع المعاصر، ولا سيما في الحالة السورية، يكشف عن مفارقة مؤلمة؛ إذ يُلاحظ أن بعض الخطاب الديني انحاز إلى دعم السلطة القائمة، بدلًا من الدفاع عن الكورد الذين يتعرضون للهجمات العسكرية، والتهجير القسري، والقتل، وسلب أبسط حقوقهم في الحياة والأمن. وتكمن خطورة هذا الموقف في صدوره عن شخصيات يُفترض بها أن تكون مرجعية أخلاقية ودينية، فإذا بها تتغاضى عن الظلم الواقع، أو تبرره، أو تصمت عنه.

إن الشعب الكوردي يتطلع إلى أن يرى من علماء العالم الإسلامي مواقف عملية تعكس القيم الدينية التي يعلنونها، وأن يقفوا إلى جانب القضايا العادلة على أساس مبدئي ثابت، لا وفق معايير انتقائية. فاختبار صدقية الخطاب الديني يكمن في مدى انحيازه للمظلوم، وتحرره من النزعات الشوفينية، والتزامه بتعاليم الإسلام في حماية حقوق الشعوب والدفاع عنها. وعندها فقط يمكن الحديث عن أخوة إسلامية حقيقية قائمة على العدل والمساواة.

ومن المفارقات اللافتة أن كثيرًا من هذه الجهات والشخصيات ترى في امتلاكها للحقوق السياسية والكيانات والدول أمرًا مشروعًا ومسلّمًا به، في ظل وجود عشرات الدول التي تُوصَف بالإسلامية، دون أن يشكك أحد في شرعيتها. غير أن هذا المنطق ذاته لا يُطبَّق حين يتعلق الأمر بالكورد، إذ يُرفض الاعتراف بحقهم في التمتع بالحقوق نفسها التي تُقرّ لسائر الأمم، بل تُطلق بحقهم أوصاف وتوصيفات لا تُستخدم تجاه غيرهم، في ازدواجية معيارية تتنافى مع مبادئ العدل التي يُفترض أن يقوم عليها الخطاب الديني الإسلامي.