سليمان الحلبي.. الكوردي ابن حلب الذي واجه الاحتلال وانتصر لإرادة للشعوب
يرى أساتذة التاريخ والباحثون أن البطولة لا تُقاس دائمًا بعدد الجيوش أو اتساع ساحات القتال، بل قد تتجسد أحيانًا في فعل فردي واحد، حين يتقدّم إنسان أعزل تقريبًا ليواجه قوة استعمارية غاشمة مدججة بالسلاح.
في هذا السياق، تتجلّى شخصية سليمان الحلبي بوصفها نموذجًا نادرًا للبطولة الفردية الواعية، تلك التي لا تنبع من تهور، بل من إدراك عميق للظلم، وإيمان راسخ بحق الشعوب في المقاومة.
سليمان الحلبي، الطالب الأزهري الكردي القادم من حلب، لم يكن مصريًّا بالميلاد، لكنه كان مصريًّا بالفعل والاختيار، حين قرر أن يقدّم حياته فداءً لشعب لم ينتمِ إليه بالدم، بل بالإنسانية والضمير.
الجذور الكردية والانتماء الحلبي
تنتمي عائلة سليمان الحلبي إلى إحدى العائلات الكوردية العريقة التي تعود جذورها إلى منطقة عفرين، الواقعة شمال مدينة حلب، والمعروفة تاريخيًا باسم جبل الأكراد.
وهي منطقة ذات غالبية كوردية، اشتهرت عبر القرون بزراعة الزيتون، وبكونها موطنًا لقبائل كوردية استقرت فيها منذ مئات السنين.
انتقل والد سليمان، محمد أمين، من عفرين إلى مدينة حلب قبل ولادة ابنه، واستقر في أحد أحيائها القديمة، حيث عمل في تجارة السمن وزيت الزيتون.
وبذلك نشأ سليمان في بيئة تجمع بين أصالة الريف الكوردي ورحابة المدينة الشامية، وهو مزيج أسهم في تشكيل شخصيته المتزنة، التي تجمع بين الصلابة والوعي.
ورغم أن لقب «الحلبي» طغى على أصله الكوردي في كثير من السرديات، فإن الوثائق العثمانية والروايات المحلية تؤكد بوضوح جذور الأسرة العفرينية، وارتباطها التاريخي بإحدى القبائل الكوردية التي سكنت (جبل الأكراد) منذ قرون.
وُلد سليمان بن محمد أمين عام 1777، ونشأ في أسرة متواضعة، تؤمن بقيمة العلم والعمل. تلقى تعليمه الأولي في كتاتيب حلب، حيث حفظ القرآن وتعلّم مبادئ الفقه واللغة، وأبدى منذ صغره ميلًا واضحًا للعلم والمعرفة.
وحين بلغ العشرين من عمره، قرر والده إرساله إلى القاهرة، ليلتحق بجامعة الأزهر الشريف، باعتبارها آنذاك مركزًا علميًا جامعًا لطلاب العالم الإسلامي، ومكانًا يلتقي فيه العلم بالدين، والفكر بالواقع.
في الأزهر… وعي يتفتح
وصل سليمان إلى القاهرة عام 1797، واستقر في رواق الشوام بالأزهر، وهو الرواق المخصص لطلاب بلاد الشام، وكان يضم طلابًا من سوريا والعراق وفلسطين، وبينهم عدد كبير من الكورد.
في رحاب الأزهر، لم يكن سليمان مجرد طالب علم منشغل بالكتب، بل كان شاهدًا مباشرًا على واحدة من أكثر الفترات قسوة في تاريخ مصر الحديث، وهي فترة الاحتلال الفرنسي.
رأى الجنود الفرنسيين يقتحمون الأزهر بخيولهم، ويهينون العلماء، ويقمعون الثورات الشعبية بعنف بالغ، خاصة خلال ثورتي القاهرة الأولى والثانية.
وتوثقت علاقته بعدد من شيوخه، وعلى رأسهم الشيخ أحمد الشرقاوي، أحد رموز المقاومة الشعبية، الذي رفض الاستسلام للاحتلال، وكان له دور بارز في إشعال ثورة القاهرة الأولى عام 1798.
وكان سليمان حاضرًا إلى جواره في لحظات المواجهة الأولى مع قوات نابليون.
بين الحج والعودة
خلال فترة إقامته في مصر، أدى سليمان فريضة الحج مرتين مع قوافل الحج المصرية. ثم اضطر إلى قطع دراسته والعودة إلى حلب حين علم بمرض والده، قبل أن يطمئن عليه ويعود مرة أخرى لاستكمال دراسته في الأزهر.
وفي طريق عودته إلى القاهرة، مرّ بالقدس ثم غزة، حيث وصلها في مايو 1800، بعد فشل ثورة القاهرة الثانية، وورود الأخبار عن الفظائع التي ارتكبها الفرنسيون في قمعها.
كانت تلك الأخبار بمثابة الشرارة التي أشعلت نار القرار داخله.
قرار المواجهة
لم يكن سليمان الحلبي رجل سياسة، ولا قائد تنظيم، ولا صاحب نفوذ. كان طالب علم بسيطًا، لكنه امتلك وعيًا أخلاقيًا حادًا جعله يدرك أن الصمت في مواجهة الظلم نوع من التواطؤ.
اتخذ قراره بمواجهة قائد الحملة الفرنسية في مصر، الجنرال جان باتيست كليبر، الذي تولى القيادة بعد رحيل نابليون بونابرت.
كان القرار محفوفًا بالمخاطر، ويكاد يكون انتحاريًا، لكنه مثّل قمة الشجاعة الفردية حين تتحول الإرادة إلى فعل.
يوم الاغتيال… لحظة فاصلة
في 14 يونيو 1800، تنكر سليمان في هيئة شحاذ، وتسلل إلى حديقة قصر كليبر بحي الأزبكية، وهو مقر القيادة العامة للقوات الفرنسية. اختبأ بين الأشجار حتى اقترب كليبر ومعه كبير المهندسين.
في لحظة خاطفة، انقضّ سليمان عليه، وأمسك به بقوة، وطعنه أربع طعنات متتالية بالخنجر، أردته قتيلًا في الحال. وحين حاول كبير المهندسين التدخل، طعنه سليمان بدوره، قبل أن يفرّ ويختبئ في حديقة مجاورة.
كان المشهد صاعقًا: شاب واحد، بلا جيش ولا سلاح ناري، يقتل قائد جيش احتل مصر، ليهزّ أركان السلطة الاستعمارية بأكملها.
الاعتقال والخوف الفرنسي
أُصيب الفرنسيون بحالة من الذعر، واعتقدوا أن الاغتيال إشارة لانتفاضة شعبية جديدة. انتشرت القوات في الشوارع، وخشي المصريون من مذبحة انتقامية واسعة.
بعد أيام من المطاردة، أُلقي القبض على سليمان، ومعه الخنجر الذي استخدمه في الاغتيال، والذي لا يزال محفوظًا حتى اليوم في متحف الإنسان بباريس، إلى جانب جمجمته، في مفارقة فادحة بين الجريمة والبطولة.
محاكمة بلا عدالة
يذكر الدكتور محمود متولي في كتابه "مصر وقضايا الاغتيالات السياسية" أن الادعاء الفرنسي حاول قلب الحقائق، وتصوير الاحتلال باعتباره أمرًا طبيعيًا، والمقاومة جريمة. وبخاصة فى المحاكمة التي بدأت في 15 يونيو 1800، وكانت محاكمة عسكرية علنية.
وأشاد المدعي العام بكليبر بوصفه "الفاتح الكريم"، واتهم سليمان بالتعصب الديني، متجاهلًا جرائم الاحتلال، ومحوّلًا الضحية إلى متهم.
صدر الحكم بإحراق يد سليمان اليمنى، ثم إعدامه على الخازوق، وترك جثته نهبًا للطيور. كما حُكم بإعدام عدد من رفاقه الفلسطينيين الذين علموا بعزمه ولم يبلغوا عنه.
نُفذ الحكم في 17 يونيو 1800 في منطقة "تل العقارب"، في مشهد بالغ القسوة، حتى بمعايير ذلك العصر.
تشير المصادر، ومنها كتاب كريستوفر هيرولد "بونابرت في مصر" إلى أن سليمان لم يصرخ أثناء إحراق يده، ولم يتوسل الرحمة.
وحين طلب شربة ماء، مُنع منها كي لا «تتعطل العدالة»، في تعبير يكشف وحشية المنتصر.
واجه الموت ثابتًا، ولم ينطق سوى بالشهادة، ليغدو رمزًا خالدًا للصمود والكرامة.
جمجمة في باريس
بعد إعدامه، نُقلت جمجمة سليمان الحلبي إلى فرنسا، وعُرضت في «متحف الإنسان» بباريس، داخل علبة زجاجية كُتب أسفلها: «جمجمة مجرم». وهو توصيف يعكس ذهنية استعمارية ترى في المقاومة جريمة.
ولا تزال عائلته وأحفاده في قرية كوكان بعفرين، إلى جانب مثقفين وناشطين في مصر وسوريا، يطالبون باستعادة جمجمته ودفنها بكرامة، بوصفه بطلًا مقاومًا لا مجرمًا.
في الذاكرة الثقافية
تناولت الدراما والسينما والمسرح شخصية سليمان الحلبي في أكثر من عمل، أبرزها مسلسل (سليمان الحلبي) من تأليف محفوظ عبد الرحمن وإخراج عباس أرناؤوط، إضافة إلى مسرحية (سليمان الحلبي) لألفريد فرج، ومسرحية (مأساة سليمان الحلبي) التي عُرضت عام 2011.
وقدمت هذه الأعمال الشخصية بوصفها رمزًا للصراع بين الإنسان الأعزل والاحتلال الغاشم، بين الإيمان والخوف، وبين الحياة الكريمة والموت بشرف.
إرث لا يموت
لم يكن سليمان الحلبي مجرد طالب أزهري كوردي، بل صار رمزًا عربيًا وإسلاميًا للمقاومة الفردية النقية. أثبت أن البطولة لا تحتاج إلى جيوش، وأن الخنجر الصغير، حين تحمله يد مؤمنة، قد يهزّ إمبراطورية.
وبعد أكثر من قرنين، لا تزال قصته حيّة، تذكّرنا بأن التاريخ لا يصنعه الأقوياء وحدهم، بل يصنعه أيضًا أولئك الذين قرروا، في لحظة فاصلة، أن يقولوا «لا» ويدفعوا ثمنها حتى النهاية.
مسرح للتاريخ
وستظل مسرحية "سليمان الحلبي" التي كتبها المؤرخ الكبير الفريد فرج علامة بارزة عن سليمان الحلبي
المسرحية أخرجها عبد الرحمن الزرقاني، وقدمتها فرقة المسرح القومي في موسم 1965 / 1966 على خشبة مسرح حديقة الأزبكية، وفيها يتناول المؤلف مسيرة الشاب الحلبي "سليمان الحلبي" وهي من التراث العربي الذي جاء إلى مصر ليتعلم في أروقة الأزهر الشريف الدين الإسلامي السمح ولكنه اصطدم بالاستعمار الفرنسي يحتل بلده الثاني مصر، وشاهد بنفسه خيول بونابرت تدوس ساحات الأزهر الشريف متحدية مشاعر المصريين المسلمين فأضمر في نفسه وقرر أن يقتل كليبر متحملاً العواقب التي سوف ينالها جراء هذا الفعل رغم أنه ليس مصرياً ولكنه كوردي حلبي.
دراما تليفزيونية
كما تناوله المؤلف الكبير محفوظ عبد الرحمن فى روايته التى حملت "سليمان الحلبي" ليقدمها المخرج السوري عباس أرنائوط بطولة أحمد مرعي ، يوسف شعبان ،عماد حمدى ومحسنة توفيق،ورشوان توفيق.
وقدمها في إطار يجمع بين التاريخ والخيال، ينتقل البطل “سليمان الحلبي” من مدينته “حلب” لنجدة أقرانه في “مصر”، الذين عاش بينهم أثناء دراسته في الأزهر من نيران الاستعمار الفرنسي، ويساعده مجموعة من زملائه من “غزة”، وينتقلون معه إلى “القاهرة” ليدخلوها متخفين كتجار، وهناك يتم التخطيط لأن يقوم “سليمان الحلبي” باغتيال الجنرال “كليبر” ساري عسكر مصر وقائد الحملة الفرنسية بعد انسحاب “نابليون”.هكذا تناولته الدراما لتجمع بين اطراف الأمة ضد الإستعمار.