د. سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ- ألمانیا
الأحياء الكوردية في حلب والبعد الكوردستاني لحقوق الحماية المدنية
من منظور أكاديمي يستند إلى دراسات النزاعات والقانون الدولي الإنساني، يمكن النظر إلى الهجمات التي استهدفت الأحياء الكوردية في مدينة حلب، ولا سيما الشيخ مقصود والأشرفية، بوصفها تطوراً يتجاوز كونه حوادث أمنية منفصلة، ويقع ضمن سياق سياسي وقانوني أوسع.
إذ تثير هذه التطورات تساؤلات جدية حول آليات حماية المدنيين، واحترام حقوق المكوّنات، ومستوى التزام السلطات القائمة بالقواعد الناظمة للنزاعات المسلحة في بيئة شديدة التعقيد.
لقد جاءت هذه الهجمات في إطار تصعيد ممنهج، سبقته إجراءات واضحة تمثلت في فرض حصار مشدد منذ الخامس والعشرين من أيلول من العام الماضي، شمل قطع الكهرباء والإنترنت، وإغلاق الطرق الحيوية، بالتوازي مع حملات إعلامية تحريضية، وانسحاب مفاجئ لعناصر الأمن العام من الحواجز المشتركة، وفق معطيات موثقة. ومن منظور تحليلي، فإن هذا النمط من السلوك يشير إلى وجود قرار مسبق باستخدام الضغط العسكري والاقتصادي لفرض وقائع جديدة على الأرض، في مناطق ذات خصوصية قومية واضحة.
وتكتسب هذه التطورات دلالات إضافية عند ربطها بالسياق السياسي الإقليمي، ولا سيما في ظل محاولات التأثير على مسار التفاهمات القائمة، وفي مقدمتها اتفاقية العاشر من آذار. إذ تُظهر تجارب النزاعات أن استهداف الفضاءات المدنية غالباً ما يكون مقدمة لتقويض الاتفاقيات الهشة، وإعادة إنتاج مناخ الصراع بدلاً من احتوائه.
من الناحية القانونية، فإن استخدام الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، بما فيها الدبابات وراجمات الصواريخ، في مناطق مأهولة بالسكان المدنيين، وما نتج عنه من سقوط ضحايا مدنيين، يشكّل انتهاكاً واضحاً لمبدأي التمييز والتناسب المنصوص عليهما في القانون الدولي الإنساني. كما أن الحصار المفروض على عشرات الآلاف من المدنيين يندرج ضمن مفهوم العقاب الجماعي، المحظور صراحة في اتفاقيات جنيف، ولا يمكن تبريره تحت أي ذريعة أمنية أو سياسية.
ولا تقتصر خطورة هذه الانتهاكات على بعدها الإنساني المباشر، بل تمتد إلى تهديد السلم الأهلي والنسيج الاجتماعي في مدينة عُرفت تاريخياً بتنوعها. فالأحياء المستهدفة تضم أكثر من خمسة وخمسين ألف عائلة، حافظت، رغم سنوات الحرب، على قدر من الاستقرار والتعايش. إن تقويض هذا الواقع بالقوة لا يهدد الكورد وحدهم، بل يضرب أسس العيش المشترك، ويقوّض أي إمكانية لبناء سلام مستدام في حلب وسوريا عموماً.
ومن منظور كوردستاني أوسع، لا يمكن فصل ما يجري في حلب عن المسار التاريخي لقضية الشعب الكوردستاني في مختلف أجزاء كوردستان. فاستهداف المدنيين الكورد يعكس استمرار إشكالية بنيوية تتعلق بغياب الضمانات الفعلية لحماية حقوقهم الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الأمان والكرامة والمشاركة المتساوية في الحياة العامة. إن حماية الكورد، أينما وجدوا، ليست مسألة قومية ضيقة، بل قضية حقوق إنسان ذات بعد إقليمي ودولي.
في هذا السياق، يبرز الدور الإيجابي والمسؤول الذي اضطلع به الرئيس مسعود بارزاني، من خلال اتصالاته المكثفة مع الجهات الإقليمية والدولية الفاعلة، ومساعيه الحثيثة لاحتواء التصعيد ووقف الهجمات على الأحياء الكوردية في حلب. إن هذه الجهود، التي تنطلق من رؤية سياسية قائمة على التهدئة والحوار، تعكس إدراكاً عميقاً لخطورة انزلاق الأوضاع نحو مزيد من العنف، كما تؤكد الدور التاريخي الذي اضطلع به الرئيس بارزاني في الدفاع عن حقوق الشعب الكوردستاني، والعمل على صون الاستقرار ومنع تعميم الصراعات، لا في سوريا وحدها، بل في عموم المنطقة.
وفي الإطار المحلي، يسجل التزام المجلس العام لأحياء الشيخ مقصود والأشرفية بالاتفاقيات الموقعة مع الحكومة السورية المؤقتة، ولا سيما الاتفاق المنبثق عن اتفاقية العاشر من آذار. غير أن هذا الالتزام، من منظور قانوني وسياسي، يفترض التزاماً مقابلاً من قبل السلطات المعنية، ويستوجب وقف الانتهاكات ومحاسبة الفصائل المنفلتة المنضوية تحت مظلة وزارة الدفاع، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لأي حديث جدي عن الشرعية وسيادة القانون.
إن المسؤولية المباشرة عن هذه الأحداث تقع على عاتق الحكومة السورية المؤقتة في دمشق، ومحافظ حلب بصفته ممثلاً للسلطة التنفيذية، إلى جانب مسؤولية المجتمع الدولي الذي لا يمكنه الاكتفاء ببيانات القلق. فحماية المدنيين الكورد في حلب تمثل اختباراً حقيقياً لمدى التزام المنظومة الدولية بمبادئ حقوق الإنسان، ولقابليتها لتحويل هذه المبادئ من نصوص قانونية إلى أدوات حماية فعلية.
ختاماً، أرى أن الدفاع عن الأحياء الكوردية في حلب هو دفاع عن مبدأ إنساني كوني غير قابل للتجزئة: مبدأ حماية المدنيين وحق الشعوب في العيش بسلام وكرامة. كما أن احترام حقوق الشعب الكوردستاني، في سوريا وفي عموم كوردستان، يشكّل مدخلاً ضرورياً لبناء استقرار حقيقي ومستدام في المنطقة. فالدول التي تحترم تعدديتها، وتعترف بحقوق مكوّناتها، هي وحدها القادرة على الخروج من دوامة الصراع، وبناء مستقبل قائم على العدالة والمواطنة المتساوية، لا على الإقصاء واستخدام القوة.