جغرافيا الملاذ الأخير: حين يُسقط "فقراء الشيخ مقصود" حتمية ثوسيديديس

جغرافيا الملاذ الأخير: حين يُسقط "فقراء الشيخ مقصود" حتمية ثوسيديديس
جغرافيا الملاذ الأخير: حين يُسقط "فقراء الشيخ مقصود" حتمية ثوسيديديس

أربيل (كوردستان 24)- في أرشيف الحروب الطويل، نادراً ما تغير الصورةُ مسارَ التحليل، لكن المشهد الذي خرج من حي "الشيخ مقصود" في حلب كان استثناءً يفرض على العقل السياسي وقفة مراجعة. ثمانية رجال، بملابس غبرها ركام القصف، يحملون على أكتافهم بنادق "كلاشنكوف" قديمة، وقفوا أمام الكاميرا ليعلنوا ما يشبه "البيان الوجودي".

لم يتحدثوا لغة الجنرالات، ولم يرسموا خرائط عسكرية، بل قالوا جملة واحدة تختصر مأساة الشرق: "لن نكرر الرحيل. هذا الحي آوانا حين طُردنا من عفرين، وهنا إما أن نعيش بكرامة أو نموت بكرامة".

هذا المشهد المختزل، الذي يمثل قرار ثلاثمائة مقاتل اختاروا البقاء وسط طوق من النار، ليس مجرد حدث ميداني عابر، بل هو تفكيك عملي لواحدة من أقدم وأقسى النظريات في العلوم السياسية: "الحوار الميلي" (The Melian Dialogue).

بين "أثينا" والشيخ مقصود: استعادة الجدلية

يُحيلنا مشهد الحصار في الشيخ مقصود فوراً إلى القرن الخامس قبل الميلاد، حين حاصر الأثينيون جزيرة "ميلوس" وخاطبوا أهلها بمنطق "الواقعية المتوحشة": "القوي يفعل ما يشاء، والضعيف يعاني ما هو مضطر إليه".

كانت تلك العبارة دستوراً غير مكتوب لكل حصار عبر التاريخ؛ فالأقوى مادياً يملك الحق في الإبادة، والأضعف لا يملك سوى الاستسلام.

حي الشيخ مقصود، بتركيبته الديمغرافية كحاضنة للفقراء والكدحين، ومأوى للمهجرين قسراً من عفرين ومناطق أخرى، كان يمثل في نظر القوى المحاصِرة "ميلوس" الجديدة.

رقعة جغرافية ساقطة عسكرياً، معزولة عن خطوط الإمداد، وتفتقر للعمق الاستراتيجي. وفقاً لحسابات "الورقة والقلم"، كان قرار المقاومة ضرباً من الانتحار، وكان المتوقع أن ينهار الحي تحت وطأة الجوع والقصف خلال أيام.

سوسيولوجيا المقاومة: لماذا سقطت الحسابات؟

لكن المحللين العسكريين، مثلهم مثل الأثينيين قديماً، أغفلوا متغيراً حاسماً لا يمكن قياسه بالأرقام: عقيدة "الملاذ الأخير".

في الحالة التاريخية لجزيرة ميلوس، راهن المحاصَرون على "أمل خارجي" (نجدة أسبرطة)، وحين تأخرت النجدة، انهارت المعنويات وسُحقت الجزيرة.

أما في الشيخ مقصود، فقد حدث انزياح جذري في المفهوم. أولئك الثمانية الذين ظهروا في الفيديو، ومن خلفهم الـ 300 مقاتل، لم يكونوا ينتظرون أحداً. لقد تشكل لديهم وعي جمعي بأن العالم قد تخلى عنهم، وأن هذا الحي الفقير بأزقته الضيقة هو كل ما تبقى لهم من "وطن" و"كرامة".

تحول الحي من مجرد "موقع عسكري" إلى "معقل للهوية". وحين يقاتل الإنسان دفاعاً عن المتر الأخير الذي يأويه من العراء، وعن الذاكرة التي تحميه من التيه، فإنه يقاتل بقوانين فيزيائية مختلفة. هنا، تتعطل فاعلية التفوق العسكري للعدو، لأن كلفة التقدم في حي يقرر أهله الموت فيه تصبح باهظة سياسياً وعسكرياً لا تستطيع الجيوش النظامية أو الميليشيات تحملها.

درس الـ 300: من رقم إلى أسطورة واقعية

الرقم (300) يحمل دلالات رمزية في التاريخ العسكري، لكن الـ 300 في الشيخ مقصود لم يكونوا نخبة مدربة كالاسبرطيين، بل كانوا "نخبة الألم". كانوا آباءً، وعمالاً، ومهجرين، قرروا أن يحولوا أجسادهم إلى سواتر.

لقد أثبت هذا النموذج فشل "الحتمية المادية". فالواقعية السياسية تفترض أن الدول أو الجماعات تتصرف بعقلانية لتعظيم المكاسب وتقليل الخسائر (الاستسلام مقابل الحياة). لكن هؤلاء المقاتلين أدخلوا معياراً جديداً: "الحياة بلا كرامة هي الخسارة المطلقة". بهذا المنطق، نسفوا معادلة الردع.

الخلاصة

إن صمود حي الشيخ مقصود ليس مجرد قصة بطولية محلية، بل هو درس بليغ في علم اجتماع الحروب. إنه يخبرنا أن "الفقراء" و"المهمشين"، حين يمتلكون قرارهم، يتحولون إلى قوة جيوسياسية قادرة على إفشال مخططات دول كبرى.

لقد أخطأ "ثوسيديديس" حين اعتقد أن الضعيف محكوم عليه بالمعاناة الصامتة. ففي أزقة الشيخ مقصود، وعلى أيدي رجال بسطاء ببنادق صدئة، تعلم العالم أن القوي لا يفعل دائماً ما يشاء، وأن الضعيف، إذا امتلك الإرادة، يستطيع أن يعيد رسم الخرائط بدمه، فارضاً معادلته الخاصة: هنا باقون، لأننا لا نملك ترف الرحيل، ولأننا نملك شجاعة البقاء.