إحسان آميدي
محرر
الفصل بين الشعوب افضل الحلول
أثبتت التجربة التاريخية لمنطقة الشرق الأوسط أن التعايش السلمي القائم على الاحترام المتبادل والمساواة لم يتحقق بشكل حقيقي. فشعارات التعايش التي تُرفع في بعض المناسبات لا تتجاوز كونها مجرد كلمات تُستخدم لأهداف ظرفية محددة.
والمفارقة أن أغلب المجتمعات العربية والإسلامية لا تلتزم بمضمون الآية الكريمة: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ”.
تسيطر على هذه المنطقة ثقافة الصراع والعنف والنهب، حيث يسعى كل مكون اثني للهيمنة على الآخر وإخضاعه لإرادته. كل كيان سياسي أو اجتماعي يمارس سياسة فرض الذات وإجبار الآخرين على الخضوع والطاعة.
لذلك تعيش هذه الشعوب في هذه الـدوامة، وإذا حدثت فترات هدوء فإنها تكون بسبب إنهاك الأطراف المتصارعة أو بسبب تخلخل في توازن القوى الذي يفرض هدنة مؤقتة. وما إن يشعر أحد الأطراف بتفوقه حتى ينقض الاتفاقيات ويعاود الصراع لفرض سيطرته.
نحن نعيش في ظل واقع وتاريخ دموي حافل بالحروب والغزوات والإبادات والنهب والانقلابات. هذه الأحداث خلفت ملايين الضحايا بالإضافة إلى دمار مادي هائل. والأغرب أن الأجيال اللاحقة من الأمم المسيطرة كالفرس والعرب والترك التي نجحت في تأسيس دول وإمبراطوريات، تفتخر بهذا التاريخ الدموي وكأنه إنجاز عظيم، وكأنهم ورثة شرعيون لمكاسب أجدادهم، بينما كان عليهم إدانة ذلك التاريخ والكيانات التي قامت على أرواح الملايين و أراضي غيرهم. بقي هذا الإرث الدموي حاضرًا في وعي الأجيال الجديدة التي تتسلط على الناس وتكرر نفس السلوكيات الوحشية وكأن الإنسان لا قيمة له.
كوردستان بجميع أجزائها تعرضت دائمًا لهجمات شرسة من المحتلين والمنظمات الإرهابية. لذلك نسأل ألم تشبع هذه القوى من سفك دماء الكوردستانيين؟
العديد من شعوب المنطقة أُبيدت ولم يبقَ منها سوى أسماء في الذاكرة أو في بطون كتب التاريخ. الأمم المسيطرة مارست التطهير العرقي ضد جميع الأمم الأخرى، ولم تبقِ في وسطها إلا من يشبهها أو يطيعها.
إنها لمعجزة أن يبقى الكورد وكوردستان صامدين أمام تلك الهجمات الهمجية، وأن يحافظوا على وجودهم ويصروا على المطالبة على تحقيق حقوقهم المشروعة. ومع الأسف، فإن ما يجري في هذه البلدان باسم الثورات والانتفاضات والانقلابات والتغييرات لم يحقق القيم الإنسانية أو التعايش السلمي، بل استمرت سياسات القمع والتطهير العرقي بشتى الوسائل.
انظروا إلى البلدان العربية التي قمعت جميع المكونات غير العربية ولاحقتهم حتى فروا من ديارهم، ونفس السياسة في تركيا وإيران حيث حولت كل دولة نفسها لخدمة عرقيتها الخاصة.
ما يجري في حلب تجاه الكورد مسألة خطيرة تمثل استمرارًا لسياسة التطهير العرقي، وهي امتداد للعقلية الاستبدادية السابقة باسم السلطة أو الدولة أو الدين أو الحزب أو الجماعة. هذا يدل على أنه لا يوجد في هذه البلدان تعايش سلمي حقيقي ولا قبول للآخر. والأسوأ أنه في هذا العصر الذي انتشرت فيه العلوم والمعارف و التكنولوجيا، ما زالوا يلجؤون إلى الأساليب الدموية الفاشلة لإدارة الدول والمجتمعات.
إلى متى سيستمر القتل والتدمير؟ ألا توجد قوة تقول كفى؟ لماذا لا يبقى كل واحد في داره وموقعه وأرضه ويدير شؤونه بنفسه؟
في هذا الوضع المأساوي، لم تصدر أية رسالة منصفة من زعماء العالم أو دول الإقليم لوقف الحرب والقتل واستخدام العقل لإيجاد حل عادل و منصف لهذه المشاكل.
الرسالة الإنسانية الوحيدة صدرت من الرئيس بارزاني الذي جاء فيها: “إن الأوضاع الخطيرة وما يدور حاليًا من قتال وعنف في مدينة حلب يثير قلقًا بالغًا ويشكل خطرًا على حياة المدنيين والمواطنين الأبرياء، وسط وجود تهديدات بارتكاب تطهير عرقي ضد الكورد في تلك المنطقة”.
ودعا الطرفين إلى بذل كل ما يمكن لوقف الحرب، وأكد أنه “يجب أن يعمل الطرفان بجدية من أجل اعتماد نهج الحوار والتفاوض لحل المشكلات؛ فلا يمكن أن يكون وجود خلاف سياسي سببًا في تعريض حياة المدنيين للخطر أو وقوع تطهير عرقي ضد الشعب الكوردي، فذلك يُعد جريمة ضد الإنسانية وتترتب عليها نتائج خطيرة لا يُحمد عقباها”.
وبعدها جرت عدة اتصالات مع الجهات ذات العلاقة لمعالجة الأوضاع بالطرق السلمية، لكن العقلية المتطرفة لا تستجيب لنداء العقل و المنطق بل تدفع نحو مزيد من التعقيدات.
أعتقد أن هذه الأوضاع ستستمر طالما سادت العقلية العنصرية والتطرف، لأن الأمم المسيطرة تعلمت الانفراد بالسلطة والتوسع على حساب الآخر وفرض نفسها ولا تقبل الشراكة.
الكورد في بغداد ودمشق ينقرضون، وفي أنقرة وطهران ينصهرون. لهذا قد يكون من الأفضل أن يتم الفصل والانفصال.
الفصل بمعنى انفصال كل مكون عن الآخر بحيث يسكن كل في موقعه ولا يتدخل في شؤون الآخر لكي يسود الأمن والاستقرار.
انظروا واقرؤوا واعلموا، كم من شعوب وكيانات وحضارات ابتلعتها وأبادتها الأمم المسيطرة وضمتها إليها؟ وهل من أمة خدمت هذه الأمم ومعتقداتها أكثر من الكورد بينما ما زالت تتعرض لسياسات الصهر والتطهير العرقي؟
في الحقيقة، لا يوجد تعايش سلمي حقيقي، والتعايش بهذه الطريقة غير ممكن. و نسأل إلى متى تستمر سياسة انكار الوجود القومي الكوردستاني و حرمان شعبه من حقوقه المشروعة؟
أعتقد أن بقاء الكورد مع مكونات لا تقبل الشراكة هو ضياع، لكن ليس كل ما نتمناه ممكنًا، وإمكانية الفصل والانفصال غير متوفرة حاليًا، رغم أنها تحفظ بقاء الشعب وتحميه.
يا ليت هذا العالم يمتلك سلطة عادلة قادرة على بناء الإنسان على أساس الاحترام وفصل هذه الأمم بحيث تشكل كل أمة سلطتها في موطنها وتدير شؤونها بنفسها.
ألا يجوز أن يتمكن المجتمع البشري من تحقيق حقوق الجميع وإزالة العداوة والغطرسة والطمع، وأن لا يتجاوز المسيطر على حقوق الآخرين، وأن لا يضطر الآخر لاستخدام العنف لنيل حقوقه؟
لا نرى هذا في عقلية زعماء الأمم المسيطرة، لأن من يصعد سلم السلطة من هذه الأمم يقدم نموذجًا أسوأ.
انظروا إلى اصطفاف العرب والأتراك والفرس ضد الكورد في الحرب الدائرة في حلب، وكأن زعماءهم مجردون من الإنسانية، ومن أجل مصالحهم يضربون بكل القيم الإنسانية عرض الحائط.
ولمواجهة الخطر والتهديد على كوردستان، يتوجب على الكوردستانيين الاتحاد لمواجهة التحديات ومن أجل الأمن والاستقرار وحقوقهم المشروعة، وأن يتوجهوا بمشروع قومي إلى المجتمع الدولي لمساندتهم في تحقيق كوردستان حرة آمنة ومستقرة.