من يرمي جاره بالحجارة ستسقط الحجارة عليه

من يرمي جاره بالحجارة ستسقط الحجارة عليه
من يرمي جاره بالحجارة ستسقط الحجارة عليه

هناك قاعدة ثابتة تقول: لكل فعلٍ ردّ فعل. من يضغط باتجاهٍ ما، تأتيه القوة المضادة من الجهة نفسها. من يحارب، يُواجَه بحربٍ مضادة، وفي النهاية تسقط الضحايا من الطرفين، ويكون الجميع خاسرين، بلا أمن ولا استقرار.
  في سلسلة الصراعات المتداخلة التي تشهدها منطقتنا، كان للكورد النصيب الأكبر من المآسي والكوارث.
    تتكرر السياسات القديمة بوجوه جديدة؛ دول تمارس القمع والاضطهاد ضد شعوب أخرى، بل وحتى ضد مكونات شعوبها، وكأنها عادات موروثة من الأجداد يجب الاستمرار بها رغم المعاناة، وكأنهم لم يتعلموا شيئًا من التاريخ الدموي، ولا من التجارب المدمرة والخسائر الفادحة.
   بهذه العقليات السائدة، لم يكن مفاجئًا أن تتكرر الكوارث، وأن يأتي الأسوأ، وأن يُسلك المنهج العنيف نفسه الذي سلكه القدماء.
    الحقيقة المرة أن العقول العنصرية المتسلطة التي تحكم دول المنطقة، وتحمل أطماعًا توسعية على حساب الآخرين، لا تدرك أن القمع لا يولد إلا المقاومة، وأن الظلم لا بد أن يُنتج ردود أفعال متعددة تنتهي بالانفجار. فعندما تُمارَس سياسات الإقصاء والتهميش ضد مكونات قومية أو دينية، وتُنكر الحقوق الأساسية، وتُصادَر الهويات، فإن النتيجة الحتمية هي ولادة حركات تحررية وثورات شعبية يدفع الجميع ثمنها الباهظ.
   أعداء كوردستان ومحتلوها جاؤوا من أواسط إيران، وأواسط آسيا، والجزيرة العربية، واستولوا على كوردستان وأوطان الآخرين بالقوة والحروب، ودمروها وصهروها في بوتقة أممهم، ومحوا وجود بعض شعوبها. ومع ذلك، كان رد فعل أهل الأرض من الكورد هو الصمود والمقاومة والكفاح المسلح، حتى تمكنوا من دحرهم وتكبيدهم خسائر فادحة.
   أما الحكام الغاصبون، فلا تهمهم الضحايا البشرية، لأنهم يستخدمون الإنسان وسيلة لتحقيق غاياتهم. فمجرد الاستيلاء على الأرض يعدّونه نصرًا، دون النظر إلى ما نالوه من دمار مادي ومعنوي، وما جلبوه من خزي وعار.
   القضية الكردية نموذج صارخ لهذه المعادلة المأساوية: قرون من الاضطهاد والإنكار، ومنع اللغة والثقافة، وقمع الحريات، والتهجير القسري، والصهر القومي، والقتل والإبادة الجماعية. لكن كانت ردود الفعل مقاومةً ونضالًا بشتى الوسائل، بما فيها الكفاح المسلح، والثورات الشعبية، والانتفاضات الجماهيرية. لست هنا لتبرير العنف، بل للتأكيد على حقيقة تاريخية: عنف السلطة يعكسها عنف الشعب، وكلما ازداد القمع، تصاعدت المقاومة، وهكذا تدخل في حلقات دموية لا تنتهي.
   ومع كل السياسات القمعية والمظالم المنظمة ضد كوردستان، بقيت كوردستان تقاوم وتصمد وتحافظ على وجودها وطنًا وشعبًا.
   محتلو كوردستان وكل المستبدين ليسوا في أمان ولا استقرار، لأن مقاومة الشعوب تجرّ عليهم مزيدًا من الخسائر وعدم الاستقرار.
   الكوردستانيون يعلمون أن وطنهم محتل، وأن شعبهم يتعرض للاضطهاد، لذلك يناضلون ويقاومون ويقدمون التضحيات في سبيل الاستقلال . لكن السلطات التي أسست دولًا باسم أقوامها تقدم أعدادًا أكبر من الضحايا، لأنها بعقلياتها الاستعلائية والاستغلالية والدكتاتورية تستغل مجتمعاتها، وتقمع حرياتها، وتزج بها قسرًا في أتون حروب مدمرة وغير مشروعة.
   لقد خاض المحتلون حروب إبادة ضد كوردستان، وقدموا آلاف القرابين، ودمروا اقتصادات أوطانهم، وكانت نهاياتهم مخزية.
   ما أصاب المحتلين نتيجة سياساتهم الخاطئة، وما جلبوه على أنفسهم من كوارث ومآسٍ، كافٍ لأن يقول الجميع: كفى، لقد شبعنا حروبًا ونزفا للدماء . نريد أن نعيش بسلام وأمان، إما معًا أو منفصلين.
   الكل خاسر في هذه الصدامات: القاتل والمقتول، أيًّا كان الطرف، فهم بشر يريدون الحياة بسلام وأمان.
   الأنظمة القمعية تعتقد أن الأمن يُبنى بالقوة، وأن فرض السلطة بالحديد والنار ممكن، لكن التاريخ يثبت عكس ذلك تمامًا. الأمن الحقيقي يُبنى بالسلم، وبالاعتراف بحقوق الآخرين، وبالتعايش القائم على العدل والمساواة. 
   حين تفرض دولة هوية واحدة بالقوة، فإنها تزرع الحقد والكراهية والانقسام والعنف، وتكون النتيجة ثورة وانتقامًا.
   والمفارقة أن الأطماع التوسعية التي تحركها العقليات العنصرية وإن كانت قد حققت بعض النجاحات، إلا أنها لا تحقق أهدافها؛ و التاريخ شاهد على أن جميعها انهارت، فبدل أن تبنى دول قوية موحدة، تنشأ دولة هشة ممزقة، تنفق مواردها على حروب داخلية وخارجية لا نهاية لها،  وقودها شعبها و اقتصادها.
   فلنحصِ الخسائر بصدق:
    كم من الأرواح أزهقت؟
  كم من الأموال أُنفقت على السلاح بدل المدارس والمستشفيات والخدمات؟
   كم من الأجيال نشأت في ثقافة الكراهية والانتقام؟
    كم من الفرص ضاعت لبناء مجتمعات مزدهرة؟
   و لننظر إلى ما وصلت إليه هذه الدول الحديثة، فنتيجة سياساتها العنصرية والطائفية: العراق وسوريا البعثيتان دمرا وانهارا، إيران في وضع سياسي سيئ و ظرف اقتصادي مأزوم، وتركيا منهكة بمشاكلها الساسية و الاقتصادية . والمشكلة المركزية لهذه الدول هي القضية الكردستانية، ولو عولجت بطرق سلمية، لما حلت عليهم هذه المصائب، و لوجدت بقية الأزمات طريقها إلى الحل.
   الاستقرار الحقيقي الذي تتحدث عنه السلطات لن يتحقق بسحق الآخرين ، بل بالاعتراف بحقهم في الوجود الكريم. من يريد الأمان، عليه أن يضمن الأمان لغيره، وأن يعترف بحقوقه، وأن يتخلى عن الأحلام التوسعية والتدخلات غير المشروعة.
 الحل ليس مستحيلًا، لكنه يحتاج إلى عقلية مدنية ورؤية إنسانية وشجاعة سياسية :
  شجاعة الاعتراف بالخطأ،
  وشجاعة نقد الذات،
   وشجاعة التخلي عن العنصرية والطائفية والفردية و التوسع على حساب الآخرين،
وشجاعة بناء دولة المواطنة التي لا تميّز بين أبنائها على أساس  العرق أو الدين أو الطائفة.
  و كل هذه تتطلب قادة يدركون أن القوة الحقيقية  هي في الاتحاد الاختياري و قبول التنوع، و تحقيق العدالة، وفي إتاحة الفرص للجميع، لا في القمع والاستبداد.
   وفي النهاية، الدرس واضح وقاسٍ:
من يزرع الظلم يواجه المقاومة،
ومن يختار العنف طريقًا، يجد نفسه في دوامة لا نهاية لها من سفك الدماء.
  والجميع خاسر في هذه المعادلة،
والأمان الحقيقي لن يتحقق إلا عندما نفهم أن كرامة الجار من كرامتنا،
وأن أمنه من أمننا،
وأن من يرمي الحجارة على الآخر  ستسقط عليه الحجارة .
و المجتمع البشري مدعاة إلى احترام حقوق الإنسان وتنفيذه.