سامان رشيد
كاتب
حين يُستباح الجسد الكردي: أيّ أخلاق سياسية تحكم هذه المنطقة؟
إلى متى يبقى الدم الكردي بلا قيمة سياسية؟
إلى متى يُقتل الكردي ثم يُطلب منه الصمت كي لا “يعقّد المشهد”؟
وإلى متى تتحول الجريمة إلى تفصيل جانبي في خرائط المصالح؟
ما يجري اليوم ليس انفجار عنف عابرًا، بل مرآة فاضحة لأخلاق سياسية مأزومة، ترى في الكردي كلفة يمكن احتمالها، لا إنسانًا يجب حمايته. تتبدل الرايات، تتغير الشعارات، لكن الجسد الكردي يظل الساحة الأسهل للاستباحة، لأن قتله لا يترتب عليه ثمن.
في لحظة يُفترض أن يكون القانون الدولي سقفًا أخلاقيًا، يُداس هذا السقف بلا خجل. الاعتقالات التعسفية، الإخفاء القسري، القتل خارج القضاء، وانتهاك كرامة الأحياء والأموات، تُمارَس ثم تُبرَّر بلغة الأمن والدين والضرورة. أي أمن هذا الذي يُبنى على تحطيم الإنسان؟ وأي دين ذاك الذي يحتاج إلى الجثة ليؤكد سلطته؟
التمثيل بالجسد، حين يحدث، لا يكون فعلًا عشوائيًا، بل إعلانًا رمزيًا: نحن نملك الحق في كسر الجسد قبل قتله. وعندما يكون الجسد كرديًا، وخصوصًا جسد المرأة الكردية المقاتلة، يتحول الانتهاك إلى انتقام مضاعف، لأن هذه المرأة كسرت صورتين معًا: صورة العدو السهل، وصورة الأنثى الخاضعة. هنا لا يُقتل الجسد فقط، بل تُستهدف الفكرة.
ما يُسمّى اليوم “براغماتية سياسية” ليس سوى قناع جديد لعقليات قديمة. تغيير الأسماء والخطابات لا يُلغي جذورًا تشكلت في بيئات إقصائية، ولا يمحو وعيًا يرى المختلف خطرًا يجب تدجينه أو سحقه. السؤال ليس من يحكم الأرض، بل بأي منطق يحكمها؟ وهل تغيّر الجوهر أم تغيّر القاموس فقط؟
الأخطر من السلاح هو الصمت الذي يرافقه. صمت إقليمي يعرف ما يجري، لكنه يفضّل الحسابات على القيم. وصمت دولي يرفع شعارات حقوق الإنسان حين تناسبه، ويبتلعها حين يكون الضحية كرديًا بلا دولة، بلا لوبي، بلا ثمن سياسي. هنا يصبح الدم ورقة تفاوض، لا قضية عدالة.
من يمنح نفسه حق تقرير أي الدماء تستحق الغضب وأيها يمكن تجاوزها؟
من قرر أن دمًا يُدين العالم، ودمًا آخر يُفهم في سياقه؟
وأي نظام أخلاقي هذا الذي يطلب من الضحية ضبط انفعالاتها بدل محاسبة الجاني؟
الكرد لا يطالبون بالشفقة، ولا يطلبون موقعًا فوق الآخرين. يطالبون فقط بأن يُكفّ هذا العالم عن التعامل معهم كاستثناء أخلاقي. العدالة لا تُجزّأ، والكرامة لا تُقاس بالهوية، والدم لا يفقد قيمته لأنه بلا علم فوقه.
ما يجري اليوم ليس شأنًا كرديًا داخليًا، بل سؤالًا مفتوحًا في وجه المنطقة كلها: هل نحن أمام سياسة بلا أخلاق؟ أم أمام أخلاق انتقائية لا ترى الإنسان إلا حين يخدم التوازنات؟
التاريخ لن يسأل من انتصر عسكريًا، بل من صمت حين كان القتل ممكنًا منعه. وحين يُكتب هذا الفصل، لن يُسجَّل فقط من ضغط على الزناد، بل من برّر، ومن ساوم، ومن اختار أن يرى الدم الكردي تفصيلًا قابلًا للنسيان.