تفاحة آدم التي لم تُؤكل: لماذا يُعاقَب الكورد؟

تفاحة آدم التي لم تُؤكل: لماذا يُعاقَب الكورد؟
تفاحة آدم التي لم تُؤكل: لماذا يُعاقَب الكورد؟

لم يبدأ ظلم الكورد مع القومية، ولا مع خرائط سايكس بيكو، بل سبق ذلك بزمن طويل، حين قاتل الكورد باسم الدين، لا بوصفهم قومية تبحث عن كيان، بل كجزء من أمّةٍ اعتقدت أن العدالة فيها واحدة، وأن الدم إذا اختلط في ساحات القتال لا يجوز أن يُفرَّق بعده بين عربي وكوردي. منذ الفتوحات الإسلامية الأولى، مرورًا بصلاح الدين الأيوبي الذي جسّد ذروة القيم الإسلامية الجامعة قبل نشوء القوميات، كان الكوردي يقاتل دفاعًا عن الإسلام وعن القدس لا عن قوميته، ولم يكن يومًا طرفًا في صراع هوية داخل الأمّة، بل عنصر توازن وجسرًا بين مكوّناتها. وحتى مع سقوط الخلافة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، ظلّ الكورد يقاتلون دفاعًا عمّا تبقّى من إرثٍ إسلامي، في وقتٍ كانت فيه شعوب المنطقة تعيد تموضعها وفق مصالحها القومية الناشئة، بينما كانت الأرض تُعاد صياغتها على طاولات الاستعمار بلا اعتبار للتاريخ أو الدم أو الانتماء.

ثم جاءت المرحلة الأكثر قسوة، مرحلة التقسيم الاستعماري، حيث قُسّمت كوردستان بين دولٍ لم تُبنَ على العدالة، بل على منطق القوة والهيمنة. ورغم رفض الكورد لهذا التمزّق، اندمجوا قسرًا في تلك الدول بحكم الواقع السياسي، بعد أن وُعِدوا بالعدالة والمساواة، فاقتنعوا بإمكانية التعايش، وآمنوا بأن دولًا ترفع القرآن وتتغنّى بعدالته لا يمكن أن تظلم شعبًا كاملًا. غير أن تلك الوعود لم تكن سوى شعارات عابرة، سرعان ما تلاشت أمام واقعٍ اتسم بالإقصاء والإنكار ومصادرة الحقوق.

 وحين بدأت تلك الدول تتخلّص من أنظمتها الدكتاتورية، جاءت لحظة الاختبار الحقيقي، اللحظة التي لا تسقط فيها الأنظمة وحدها، بل تنكشف فيها البُنى العميقة للعقل السياسي والاجتماعي. في تلك اللحظة، كان الكورد مرة أخرى في طليعة المضحّين، من إيران منذ عهد البهلوي حتى اليوم، إلى تركيا من عهد أتاتورك وصولًا إلى المرحلة السياسية الراهنة، مرورًا بالعراق من الملكية إلى عبد الكريم قاسم ثم صدام حسين وما بعد 2003، ومن سوريا حافظ الأسد إلى بشار الأسدو الى اليوم. كان الرهان أن العلّة تكمن في الحكّام لا في الشعوب، وأن سقوط الاستبداد سيعيد تصويب البوصلة الأخلاقية. غير أن النتائج جاءت معاكسة، فما إن استقرّت القوى الجديدة حتى كانت أولى “إصلاحاتها” إقصاء الكورد وتطهيرهم سياسيًا، لتنكشف مأساة أعمق: أن الخلل لم يكن في الأنظمة وحدها، بل في عقلية راسخة تتعامل مع الكوردي بوصفه شريكًا مؤقتًا عند الخطر، وعائقًا دائمًا عند تقاسم القرار والمستقبل.

ويتجلّى هذا الانفصام الأخلاقي بأوضح صوره في المواقف العربية والإسلامية المعاصرة. فعندما تُقصف غزة، تهتزّ الدنيا، وتتحرك الجموع، وتُفتح القلوب قبل الحدود، وهذا حقّ إنساني وأخلاقي لا يُجادَل فيه. لكن حين يُقتل الكورد، في العراق أو سوريا أو إيران أو تركيا، يسود الصمت. لا استنفار، ولا تعاطف، ولا حتى سؤال.  ولا يُسمع صوت إعلامي أو ديني يستنكر الجريمة لمجرّد أن الضحية كوردية، ويشتدّ هذا الصمت حين تقع الجرائم داخل دولٍ عربية، فيما يُغضّ الطرف أيضًا عن المآسي الواقعة في دولٍ غير عربية لأن القضية واحدة، قوامها إنكار الحق الكوردي. الأمس كان الأنفال في العراق، واليوم حلب، ولا أحد يعلم أي مدينة ستكون التالية. لقد تجاوز العنف حدود الإنسانية والدين والأخلاق الإسلامية والعربية، وقُتلت النساء بوحشية أمام شاشات العالم، لا على يد جيوش وطنية كما يُدّعى، بل على يد مجموعات مسلّحة جرى تبييض بعضها سياسيًا، رغم ارتباطها بإرثٍ متشدّد خلّف بصمته الدموية على المنطقة ، فما قيمة العدالة إذا كان الضمير لا يستيقظ إلا حين تكون الضحية من هوية معيّنة دون أخرى؟

ومن هنا يفرض السؤال الجوهري نفسه: إن هذه اللعنة الجغرافية والسياسية التي تلاحق الكورد لم تكن لأنهم “أكلوا تفاحة آدم” التفاحة لم تُؤكل، ومع ذلك يستمر العقاب. بأي ذنب يُطالَب شعبٌ كامل بدفع ثمن خطيئة لم يرتكبها؟ الواقع يشير إلى أن الكورد لا يُعاقَبون بسبب خطأ اقترفوه، بل لأنهم وُضعوا تاريخيًا في موقع الضحية السهلة، شعب بلا دولة، تتراكم المجازر على أرضه حتى باتت الجغرافيا نفسها تضيق بثقل المقابر.

إن المطالبة بالاستقلال ليست رفضًا للتعايش، بل سعيٌ للحدّ الأدنى من الكرامة الإنسانية، ووقفٌ لعقابٍ مستمر على تفاحة لم تُؤكل، نداءٌ أخلاقي لعدالةٍ واحدة، أو اعترافٍ صريح بظلمٍ تاريخي طال الكورد وتواطأت معه السياسات والمصالح.