د. إبراهيم أحمد سمو
كاتب كوردي
رسالة الرئيس بارزاني… نداء العقل في زمن التحريض ودعوة الوقف الفوري للإعلام الإقصائي
في خضمّ الحملة الإعلامية المتصاعدة التي شهدناها مؤخرًا، والتي تجاوزت حدود النقد السياسي المشروع لتصل إلى التحريض العلني، وجدنا أنفسنا أمام مشهد مقلق يتمثل في الدعوة إلى طرد السوريين من أعمالهم، بل وتطورت بعض الأصوات لتطالب بطردهم من الإقليم، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل انسحب الخطاب ذاته ليشمل العرب عمومًا، تحت ذرائع خطيرة مفادها أنهم قد يشكلون خطرًا داخليًا على البلاد في المستقبل.
نكتب هنا باللغة العربية، ونكتب بوعي كامل أننا نخاطب العمق العربي من المجتمع، لا أولئك الساسة الذين حوّلوا الخطاب العام إلى واجهة للعداء، ولا الأقلام التي اتخذت من الأزمات وقودًا للتحريض. نكتب لأننا نؤمن أن الشعوب لا ذنب لها، وأن ربط الأحداث السياسية أو الأمنية بطرد المدنيين العزل بسبب انتمائهم القومي أو الجغرافي، هو انحدار عقلي قبل أن يكون خطأً سياسيًا.
ومن هذا المنطلق، أجد نفسي نفسيًا وفكريًا غير مستغرب من رسالة الرئيس مسعود بارزاني، بل أراها في مكانها الصحيح، وفي توقيتها المناسب، رغم ما مورس من ضغوط شديدة من بعض الأقلام، وحتى من بعض المنظمات غير الحكومية، التي حاولت جرّ الإقليم إلى مواقف متشنجة، أو استثمار قضية (روج آفا) والعمليات العسكرية الكبيرة لتبرير استهداف مناطق مدنية صغيرة في المساحة، كبيرة في رمزيتها الإنسانية والمعنوية، كما هو الحال في بعض أحياء حلب.
رسالة الرئيس كانت واضحة، صريحة، وحاسمة. لم تكن خطابًا عاطفيًا، ولا بيانًا ظرفيًا، بل جاءت كخارطة طريق، تمثل نهجًا سياسيًا وأخلاقيًا تأسس عليه جيل كامل، ونهل من قيمه معنى الانتماء، وحب الأرض، واحترام الإنسان، أيًا كان انتماؤه القومي أو الديني.
لقد أكد الرئيس بارزاني، بوضوح لا يقبل التأويل، أن العرب أمة كبيرة، لا تُختصر في السوريين، ولا تُحصر في جغرافيا بعينها، وأن ما يجمع شعوب المنطقة أكبر بكثير مما يحاول دعاة الفتنة تصويره. فالعرب ليسوا كتلة واحدة معادية، كما أن الكورد لم يكونوا يومًا دعاة إقصاء أو طرد. بين العرب من هم معنا، وقفوا معنا، وتقاسموا معنا الألم والمصير.
إن أخطر ما في الحملات الإعلامية التحريضية، أنها تفتح الطريق أمام الشوفينيين والمتطرفين من كل الأطراف، ليحوّلوا الأزمات إلى أدوات كسب شعبوي، ويصبّوا سمومهم عبر بعض الشاشات والمنصات. وهنا تحديدًا جاءت رسالة الرئيس لتغلق هذا الباب، وتقطع الطريق أمام من يحاول استثمار الخوف والتحريض لبناء رصيد سياسي زائف.
ولعل ما يميّز هذه الرسالة، أنها لم تبقَ حبرًا على ورق. فبعد ساعات قليلة، بل فورًا تقريبًا، رأينا تطبيقًا عمليًا لمضامينها، عبر الدعوة إلى التهدئة، ووقف الحملات الإعلامية، والعودة إلى لغة الحوار، وضبط النفس. وهذا ما يعكس مدرسة سياسية ناضجة، تدرك أن السياسة في عالم اليوم تُدار بين الضغط والشرط، بين الحوار والاختلاف، وبين إبقاء الأبواب مفتوحة بدل إغلاقها.
التاريخ هنا لا يمكن تجاهله. فمنذ أكثر من خمسة وثلاثين عامًا، حين وقعت فيالق من الجيش العراقي في قبضة البيشمركة، أُطلق سراحهم رغم انتمائهم إلى جيش قاتل الكورد لعقود طويلة. لم يُنتقم منهم، ولم يُعاملوا كأعداء شخصيين، لأنهم كانوا، في النهاية، أدوات دُفعت إلى الحرب من قبل أنظمة سياسية، لا أصحاب قرار. تلك اللحظة لم تكن ضعفًا، بل كانت قمة القوة الأخلاقية.
من هذا الإرث، نفهم رسالة اليوم. رسالة تدعو إلى الوقف الفوري للإعلام التحريضي، وإلى محاسبة الأقلام التي تسعى لإطالة أمد التوتر، وفتح الأبواب أمام الفتنة بدل الحلول. رسالة تحثّ على التعايش، والإخاء، والعمل المشترك، وعلى بتر الأيادي التي تريد جرّ المجتمع إلى صراعات لا تخدم إلا أعداء الجميع.
كما أن الرسالة تضع مسؤولية واضحة على عاتق الساسة الكورد، والأجهزة الأمنية، بضرورة توخي الحذر، وتعزيز التعاون بين المواطنين والمؤسسات الحكومية، في إطار احترام القانون وحقوق الإنسان. فالديمقراطية التي نتطلع إليها لا تُبنى بالإقصاء، ولا بالاشتباه الجماعي، بل بالثقة، والمساءلة العادلة، وحماية المدنيين.
نحن، كشعب بسيط، قد لا نمتلك أدوات التحليل السياسي العميق، ولا نعرف خفايا العمليات الدولية والإقليمية المعقدة التي تتقاطع في هذه المنطقة. لكننا نملك حسًّا إنسانيًا، وذاكرة تاريخية، وتجربة مريرة مع الظلم، تجعلنا نميّز بين الأمن المشروع، والعقاب الجماعي المرفوض.
ولهذا، جاءت رسالة الرئيس بارزاني بمثابة طمأنة ضرورية، ليس فقط للكورد، بل للعرب أيضًا، ولكل من يخشى أن تتحول الأزمات إلى مبرر لتفكيك النسيج الاجتماعي. لقد كانت رسالة (في وقتها) ، قطعت الطريق على المتربصين، وأعادت البوصلة إلى اتجاهها الصحيح: حماية التعايش، وصون الكرامة الإنسانية، والحفاظ على وحدة الصف في وجه التحديات الكبرى.
إن ما نشهده اليوم ليس زلزالًا داخليًا فقط، بل نتيجة تفاعلات إقليمية وربما دولية معقدة. ولهذا، فإن المعالجة يجب أن تكون هادئة، عقلانية، وسريعة، عبر مراجعة فورية للعلاقات، وتحصين الداخل، ورفض الانجرار خلف خطاب الكراهية.
ختامًا، نؤكد أن هذه المنهجية، التي أرساها الرئيس بارزاني، لم تُنشئ قيادة فقط، بل صنعت جيلًا كاملًا يؤمن بأن القوة الحقيقية ليست في الإقصاء، بل في الحكمة عند الشدة، وفي الشجاعة الأخلاقية عند الحرج، وفي اختيار الإنسان قبل الشعارات. وهذه هي الرسالة التي نحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضى