ما الذي قاله، ولم يقله الشرع؟

ما الذي قاله، ولم يقله الشرع؟
ما الذي قاله، ولم يقله الشرع؟

لم ارغب في الحديث حول اللقاء الذي اجرته قناة شمس الفضائية، مع الرئيس السوري المؤقت احمد الشرع، حيث فرضت علي ادبيات العمل الصحفي والمهني اساسا، ولكوني احد كوادر مؤسسة اعلام كوردستان، والتي تشكل القناة جزءا منها، ان لا ابوح باسرار العمل، خصوصا ان المؤسسة كلفتني بترجمة اللقاء الى اللغة الكوردية، اي انني كنت من ضمن العدد القليل، من المطلعين على تفاصيل اللقاء وماجاء فيه، وهذه ثقة افتخر بها، وايمانا بضرورة الحفاظ على هذه الثقة، التزمت الصمت، لحين اعلان الزميل ايلي ناكوزي المدير العام للقناة، عن تفاصيل اجراء اللقاء واسباب تاجيله، ثم اتخاذ القرار حول عدم عرض اللقاء عبر شاشة القناة، للاسباب التي ذكرها المدير العام بعد يوم من اجرائه.

وهنا لن اتحدث حول ماقاله وماذكره السيد ناكوزي من تفاصيل تتعلق باللقاء وبشخص السيد الشرع ومادار بينهما من حوار، لكنني وبالخروج من بودقة التحليل السياسي والاعلام، ساتحدث كانسان وبكل واقعية، حول ماسمعته في الدقائق الثلاثين من اللقاء الذي ترجمته للكوردية، واكثر ما شجعني على الحديث حول هذا الموضوع، هو التطبيل الاعلامي من قبل المحسوبين على القصر الرئاسي والمقربين من السلطة المسؤولة عن الحكم في سوريا، لمواضيع لاتمت للواقع بصلة، واستمرارهم في اشعال نار الفتنة بنشرهم لاكاذيب من شانها اشعال نار هذه الفتنة، والتي حذر منها الرئيس مسعود بارزاني، ومساهمتهم بتشجيع بعض القنوات العربية، وللاسف الشهيرة والمهنية منها، على السير في ذات خط الفتنة، بحجة مواكبة الحدث.

كلام معسول

منذ الساعات الاولى للمواجهات العسكرية التي شهدتها حلب، وتحديدا في الاشرفية وشيخ مقصود، ارتفعت الاصوات النشاز المتهجمة على الكورد قومية وشعبا، بحجة ماسمي بالاخطاء التي ترتكبها قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وضرورة وضع حد لتصرفاتهم وايقاف تمددهم والاسراع في اندماجهم في المنظومة الدفاعية السورية، الى ان تطورت الامور الى التمثيل بالجثث، واهانة الاسرى، وقتلهم، بل واقتلاع اجزاء من جسمهم وهم احياء، لتتوضح الصورة الحقيقية لمن يتولون الامر، سياسيا وعسكريا واعلاميا في سوريا مابعد الاسد، بان هذه التصرفات، هي الاساس في رايهم وموقفهم تجاه الكورد، دون اي رد او حتى استنكار من قبل الحكومة السورية المؤقتة ورئيس الجمهورية والمؤسسات المعنية، على الاقل بحجة الانسانية والحفاظ على اللحمة الوطنية، كما تحدث عنها الشرع.

وفي اثناء اللقاء، سمعت السيد الشرع يكرر ولاكثر من مرة، بان الكورد جزء اصيل ومهم وفعال من النسيج السوري، وان لهذا الشعب احترامه وتقديره، وهو لايمانع، بل يشجع على ضرورة المشاركة الفعالة الكوردية في البرلمان والحكومة، وان قسد هي التي تعيق تنفيذ الاتفاقيات التي تضمن حقوق هذا الشعب، مبينا بان الكورد، كمكون اساسي في سوريا، لايمكن ان يختصر في قسد. وهنا لا اريد ان احكم على نية الرجل في حديثه، لان الله تعالى اعلم بها، ولكن.. ان كانت هذه هي حقيقة مشاعره تجاه الكورد، فاين رئاسة الجمهورية من كل المحسوبين على النخبة السياسية والثقافية السورية، من كل الفتن والاكاذيب التي تروج عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟

التهرب من الرد

كرر الزميل ايلي ناكوزي، ولاكثر من مرة سؤاله، حول الجرائم التي حصلت تجاه المدنيين العزل من قبل الفصائل المسلحة التي دخلت الى الاشرفية وشيخ مقصود، سائلا الشرع حول موقفه مما حصل، لكنه كان يتهرب من الرد على هذا السؤال، وعندما ضيق ناكوزي عليه الخناق، قال في البداية: بان الامر مبالغ فيه، وان بعض الصور التي تنشر ماهي الا مبالغات يراد بها تشويه الصورة الحقيقية، وان قسد هي التي تتسبب في مقتل المدنيين، في حين انهم فتحوا ابوابا واسعة لخروج المدنيين، وان قسد حاصرتهم ولم تسمح لهم بالخروج من الممرات الآمنة، وهنا ايضا، لا اريد ان اقول بان قسد خالية من الاخطاء، ومن الممكن ان اكون مختلفا معهم سياسيا وفكريا، وان افترضنا بان لهذه القوات اخطاء بغض النظر عن حجمها وقوتها، وان كان من الضروري ومن الواجب محاسبتهم على اخطائهم، سياسية كانت ام عسكرية، لكن السؤال هنا: اين رئيس الجمهورية، القائد العام للقوات المسلحة، اي المسؤول الكامل عن المنظومة الدفاعية بكل تشكيلاتها، من مقاطع فيديو وصور نشرت من قبل افراد الفصائل، فيها من الاهانة مايكفي للذات الانسانية، وان كان الضحية من جيش العدو؟ 

وبمزيد من محاولات التضييق من قبل ايلي، اضطر السيد الشرع الى اختصار الرد بقوله: بان المعارك من الممكن ان تحصل فيها بعض الاخطاء، وان القانون يسري على الجميع وبالقانون، يحاسب المقصر، وباستغلال هذا الرد، لابد ان نسأل: هل تم على سبيل المثال، تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، لتبين ما ان كانت المقاطع التي نشرت حقيقية ام مفبركة؟

رسائل للكورد، ام لقسد؟

ولاكثر من مرتين، طرح المحاور، تفاصيل ماتم الحديث عنه في المكالمة التليفونية بين الرئيس مسعود بارزاني والشرع، الا ان الاخير تهرب مرة اخرى من هذا الموضوع ليجبره الزميل على العودة الى ذات الموضوع، الا ان الرد كان ايضا فضفاضا مطاطيا، ملخصا، ليلتف ويتحدث عن قوة وخبرة الرئيس مسعود بارزاني في قيادة عملية سياسية حقق فيها النجاح في اقليم كوردستان، مع التاكيد على ان التجربة في كوردستان العراق، لايمكن ان تستنسخ في سوريا، وهذه بحد ذاتها رسالة توجه للمطالبين بالفدرالية، وليؤكد وبكل صراحة، بان النظام الفدرالي، لايصلح مع الوضع في سوريا.

وبحديثه عن اتفاق العاشر من آذار والتزامه والتزام الرئاسة السورية بها، ورمي الكرة في ملعب الاخيرة، وجه الشرع رسالة اخرى مبطنة، بان المودة بين الجانبين والهدوء والاستقرار، يتوقف على مدى تنفيذ الطرف المقابل، لما يملى عليهم من دمشق، وهذه ايضا رسالة تحذير للكورد، ولقسد، اي انه يقول للكورد، باننا غير مسؤولين عما سيحصل، وقسد هي المذنبة.

الشرع، قال مايريده

الهدف من اللقاء، كان التهدئة، وخصوصا ان الشرع شخصيا، كان قد طلب ان يتحدث مع قناة كوردية، تبث من اقليم كوردستان، لتوضيح موقفه مما جرى، مع انه لم يبين اي موقف، بل قال في هذا الحديث، مايريد ان يقوله هو بتكراره لاكثر من مرة وفي رده على اكثر من سؤال، ولولا ذكاء المحاور، لكان الشرع تحدث ولوحده ودون السماح للمحاور بان يطرح عليه اي سؤال، وكان ليبلغه بان يسكت ويسمع فقط، وهذه المسائل تحصل من قبل الكثير من المسؤولين، ان كان المحاور ضعيفا، او كانت القناة تابعة له او لدولته.

لكن الشرع تهرب مما كان الكورد ينتظرونه، من رسائل اطمئنان، حول وجودهم القومي والانساني والمجتمعي في نسيج الدولة السورية، لم يرد على اسئلة من فقدوا ذويهم من المدنيين، لم يتطرق الى ماينتظره اهل الشهيدة دنيز من رد، لما فعل تجاه ابنتهم، حيث لاحول ولا قوة، ولا روح.

لقد حاول الرئيس الشرع، ان يمرر مايريده، ويتجاهل ماينتظره الكورد من مستقبلهم في الدولة السورية، واحتوائهم والقرار الحاسم بايقاف المواجهات العسكرية وحماية المدنيين وضمان وحدة البلاد، بضمان مواطنة الكورد، وانسانيتهم اولا.

هل كانت غلطة؟

صحفيا، واعلاميا، لا ارى اي خطأ من اجراء هذا اللقاء، ولو لم تجره شمس، لاجرتها قنوات اخرى وبثتها دون اية استشارة او دراسة، ولاستمتعت هي ومشاهديها، بعد الملايين من المشاهدات وعلامات الاعجاب والتعليق، ولاخذت الموضوع كسبق صحفي وبطولة، لكن المسؤولية الاجتماعية، والتي تشكل جزءا مهما من الاعلام والواجب الاعلامي لدى كل من يعمل في هذه المهنة، والتزاما بما جاء في بيان الرئيس بارزاني، ولتجنب المزيد من المشاكل، اختارت القناة ان لايعرض اللقاء على شاشتها، مع اعطاء الحرية لبقية القنوات على عرضها، على العكس مما سمعناه من قبل الطرف الاخر وبكل اسف، من هستيريا واكاذيب وتلفيق، بل تهديد ووعيد وتعد واضح على الكرامة الانسانية للفرد الكوردي، ومن ايجابيات هذا الموضوع، ان الوجوه والمواقف الحقيقية ظهرت واضحة، بكل تفاصيلها، ودون اية رتوش.