الضامن حين تضطرب الأزمنة

الضامن حين تضطرب الأزمنة
الضامن حين تضطرب الأزمنة

لا أحد يستطيع أن يتخيل على وجه الدقة ما الذي يجول في الخاطر، ولا ما الذي يدفع الإنسان لأن يمسك قلمه في صباحٍ مثقلٍ بالأسئلة والقلق. نحن اليوم، نعم، لا نزال بخير، لكن الغد ليس مضمونًا، والضمان الحقيقي لا يكون إلا بما نملكه ونصنعه اليوم. فالغد حالةٌ متغيرة، ولا سمح الله إن اختلّت، فإن حال الجميع قد يذهب ولا يعود.

في زمن كهذا، يصبح وجود (الضامن) ضرورة لا ترفًا. الضامن الذي إن قال سُمعت كلمته، وإن اتصل أجاب الطرف الآخر دون تردد، وإن نادى لبّى الجميع النداء بدافع المحبة قبل الطاعة. ضامن لا تُفرض هيبته بالقوة، بل تُستمد من الثقة، ولا يُطاع خوفًا، بل احترامًا وإيمانًا بصدقه وإخلاصه.

هذا الضامن ليس شخصًا عابرًا، بل حالة نادرة، ربما يولد من مثله مرة واحدة في كل مئة عام. رجل جمع بين الإخلاص والوفاء، بين الزهد والصفاء مع الله، والاستقامة والصدق مع الشعب. لم يكن يومًا ممن يقدّمون المصلحة الذاتية على المصلحة العامة، بل كان دائمًا ينظر إلى الأمور بميزانٍ موضوعي، واضعًا مصلحة الجميع فوق كل اعتبار.

من أجل هذا النهج، لم أنتمِ أنا وحدي، بل انتمت قبلي حشود من الناس طوعًا وقناعة، لا طلبًا لمنفعة، بل رغبة في كسب وده، ووفاءً لودٍّ متجذرٍ في وجدان الأجداد قبل الأبناء. هو امتداد لقيمٍ متراكمة، لا طارئًا على التاريخ، ولا منفصلًا عن ذاكرة الناس.

قاد السفينة في أوقاتٍ عصيبة، وسط أمواجٍ متلاطمة، آتية وذاهبة، عالية ومخيفة. ومع ذلك، لم تفقد السفينة توازنها، بل استقر بها المسار قرب جبلٍ صلب، عند صلاح الدين في سرى رش، حيث الثبات في المبدأ، والمرونة في الإدارة، والدفع المستمر لعجلة التجربة إلى الأمام. سنوات مضت، ونحن نمضي بثبات نحو دولة المؤسسات، خطوة بعد خطوة، دون ضجيج، ودون ادعاء.

وسط كل تلك التحولات، كان هو من زرع الأمل فينا، وهو من أخرجنا من المحن المتتالية بأسلوبٍ قد يراه الآخرون معجزة، بينما نراه نحن منهجًا نعرفه جيدًا، ونفهم كيف يقودنا في أصعب الظروف. لم يكن الهروب من الأزمات خيارًا، بل مواجهتها بالحكمة، والصبر، والعمل الهادئ.

عذرًا إن قلنا إن الرجل، وهو في عقده الثامن، لا يزال في أوج عطائه الإيجابي. برنامجه اليومي شاهد على ذلك؛ لقاءات، متابعة، تواصل مباشر، وإحساس عميق بالمسؤولية تجاه الأمة. عذرًا إن قلنا إننا من حوله فداء، لأن ما يجمعنا به ليس مصلحة عابرة، بل قناعة راسخة بأن الأوطان لا تُدار بالعمر، بل بالبصيرة.

نكتب هذه الكلمات وأيدينا ترتجف، وألسنتنا تتلعثم، لا خوفًا، بل ثقلًا للمسؤولية. ومع ذلك، وجدنا أنه لا بد من الكتابة. فالضامن، في زمن الفوضى السياسية، والحروب المتنقلة، والتحولات السريعة في سياسات الدول، هو مرجعنا الوحيد لفهم الحاضر، واستشراف القادم، ومعرفة كيف تمضي بنا الأحوال وسط هذا العالم المضطرب.

ما أدركناه يقينًا هو أن قوتنا في وحدتنا، وأن التفافنا حول هذا الضامن، لا بصفة الانتماء الضيق، بل بصفة المسؤولية الجماعية، هو السبيل لعبور المرحلة. ليس المطلوب تمجيد الأشخاص، بل حماية الفكرة، وضمان الاستقرار، والعمل بالواقع لا بالشعارات.

قد يظن البعض أن في هذا الكلام مبالغة أو رياء، لكني أقولها بصدق: لا مصلحة شخصية هنا. أنا كاتبٌ بلغ الربع الأخير من العمر، أملك ما يكفيني لحياة كريمة. ما دفعني لهذا المقال ليس إلا مصلحة الأمة، وحرصي على أن يبقى القائد في سلام وأمان، وأن تبقى السفينة ثابتة في بحرٍ لا يرحم.