ب. د. فرست مرعي
كاتب وأستاذ جامعي
الديانة الكوردية الرئيسية قبل الاسلام
القسم الثاني.. المعابد الميثرائية في كوردستان العراق
هناك ندرة من المعلومات حول بقايا الديانة الميثرائية في كردستان، فضلاً عن الاشارة الى معابدها المنبثة في بعض الكهوف؛ لذا تحتاج الكهوف الكثيرة الى تحقيق علمي من وجهة النظر الميثرائية، لا سيما وأن الطوائف الميثرائية كانت تختار لمعابدها وطقوسها المنحوتات الحجرية القريبة من الينابيع المتدفقة أو الماء الجاري، ومن أبرز هذه المعابد:
- كلي زردك
يوجد هذا المعبد في السفح الشمالي من جبل مقلوب(= جبل الفافا في المصادر المسيحية) الواقع شرقي الموصل، في وادي جميل يقع على جانبيه نتؤات صخرية صفراء تؤدي الى قلب هذا الجبل الاشم ويسمى هذا الوادي ب (كلي زردك) التي تعني ( المضيق الاصفر)، وفيه مياه دائمة الجريان وعلى جانبي الوادي كهوف نقشت جدرانها الحجرية من الداخل بالمنحوتات.
- كهف كاني سبي
كهف مقدس يقع أسفل ضريح الشيخ عدي بن مسافر الاموي الهكاري في معبد لالش، حيث الوادي المقدس، وهو من أقدس مقدسات الايزيدية، ولا يسمح للغرباء وحتى للايزيديين أنفسهم عدا (بابا شيخ) وعدد آخر قليل من سدنة الضريح بالدخول إليه، وينبع من هذا الوادي المقدس ( كانى سبى – الينبوع الابيض) الذي تقول الاسطورة أنه تدفق على أثر ضربة وجهها الشيخ عدي الى أرضية الكهف. والاحتمال الظاهر هو أن هذا الكهف وينبوعه المتدفق فيه كان موقعاً يعبد فيه الاله ( مهر) والالهة (أناهيتا) التي عرفت بعدئذٍ ب ( ناهدة) ثم (ناهد)، وهي آلهة الينابيع المتدفقة والمياه الجارية الغزيرة، فشيد على سطح الكهف معبداً للنار، وحسب وجهة نظر العالم الكردي توفيق وهبي(1891 – 1984م) القائلة:” أن هذا الكهف كان الموقع الذي يمم شطره ( الشيخ عدي) واتخذه صومعة للتأمل بالتهذيب النفسي أربعين يوماً أول ما وطأت قدماه تلك المنطقة”. توفيق وهبي، بقايا الميثرائية في الحضر وكردستان العراق وآثارها في الايزيدية، ضمن كتاب الآثار الكاملة، السليمانية، بنكه ى زين، ص95-96.
- معبد شمال الموصل
واستناداً الى قول الامير اليزيدي اسماعيل جول بك فإن هناك معبداً صغيراً آخر يقع شمالي الموصل حفر ونظم ليكون معبداً للمهرائية – الميثرائية، ولم يحدد المصدر مكان الموقع بالضبط. ولكن لهذا المعبد صورتان في مديرية الآثار العراقية االقديمة. توفيق وهبي، بقايا الميثرائية في الحضر وكردستان العراق وآثارها في الايزيدية، المرجع السابق، ص96، هامش(3(.
- كهف شخصه رحمن
يقع هذا الكهف في السفوح الشمالية لجبل سفين المطل على مدينة شقلاوة، وتسمية هذا الكهف جاءت تخليداً لاسم (صوفي كردي) كان يسكن فيه قبل خمسة قرون مضت. ويظهر أن الرهبان المسيحيين أشغلوا هذا الكهف مدة من الزمن، كما أشغله قبلهم الميثرائيون، حسب وجهة نظر العالم الكردي ( توفيق وهبي)، ويوجد بالقرب منه ينبوع ماء دفاق. ينظر: توفيق وهبي بك، بقايا الميثرائية في الحضر وكردستان العراق وآثارها في الايزيدية، المرجع السابق، ص96.
- كهف قرية جاسنه
يقع هذا المعبد في قرية جاسنه بمحاذاة وادي سورداش في المنطقة الواقعة بين مدينتي السليمانية ودوكان.
- كهف بحزانى
يقع هذا الكهف شرق مدينة الموصل بالقرب من بلدة بحزاني ذات الاغلبية اليزيدية، وقد زارته المستشرقة والانثربولوجية البريطانية" الليدي دراور"(1879 – 1972م)، حيث تطرقت إليها في بحثها عن ( طاووس ملك). ينظر: الليدي دراور، كتاب طاووس ملك اليزيدية، ترجمة: رزق الله بطرس، مراجعة وتعليق: صباح جمال الدين و الأب سهيل قاشا.
- كهف جارستين(=دهوك)
يقع هذا الكهف أي ذي الاعندة الاربعة في مدخل كلي- مضيق دهوك، ويعتقد أحد الباحثين الكرد بأنه كهف ميثرائي" فهو معبد مهم جداً لميترا وأناهيتا معه لأنه يحتوي على رموزهما معاً ومن المحتمل أيضاً أن يكون الكهف معبداً لأناهيتا وأن يكون المعبد المكشوف المتجه محرابه نحو الشمال مع كهف صغير أمام النفق معبداً لميترا". في حين أن أكاديمياً كردياً آخر يعتقد بأنه معبد زرادشتي تحديداً، ولكن المعابد الزرادشتية غالبيتها مسقوفة حتى لا يقع ضوء الشمس على النار الزرادشتية المقدسة الموضوعة على دكة النار. وحسب مدير آثار محافظة دهوك (بيكس بريفكاني): كحل وسط بين اعتباره موقعاً للديانتين الزرادشتية والميثرائية"... ويعود تاريخه الى الالفية الأولى قبل الميلاد. وكان موقعاً للديانة الزرادشتية والمثرائية وهما الديانتين اللتين كانتا سائدتين في تلك المنطقة في ذلك الوقت". ينظر: عبدالرقيب يوسف، المعابد الميثرائية في ايطاليا ومقارنتها مع المعابد الميترائية في كوردستان، ترجمة: جميل مجيد(مه لا قه ره) ،، أربيل، المديرية العامة للاعلام والطباعة والنشر، 2013م، ص35 – 36؛ https://www.alaalem.com/.
عيد المهركان – المهرجان:
احتفل الخلفاء العباسيون بالمهركان – المهرجان، فضلاً عن احتفالهم بالنوروز، ويأتي هذا العيد بعد عيد نوروز ب (194) يوماً، ويصادف (26) تشرين الأول من كل عام. وكان الاحتفال به يستمرّ ستة أيام، ويتمّ فيه تغيير فرش وستائر دار الخلافة، إيذاناً بدخول الشتاء. ويحضر أرباب الدولة، وأصحاب الدواوين، والقادة، والقضاة، للتهنئة بالعيد، واستلام الخلع الشتوية؛ من ملابس وأقمشة. ينظر: النويري: نهاية الأرب، القاهرة، (د.ت)، ج1، ص187.
وعادة يتمّ مدّ الموائد في القصـر، ويلقي الشعراء قصائدهم، متفائلين بالمهرجان، كما يقدّم المهنئون هداياهم إلى الخليفة، في اليوم الأوّل من العيد. وتجدر الإشارة إلى أنه كان يتمّ إشعال النيران أيضاً، لأن المهرجان كان مشابهاً للنوروز في الكثير من رسومه وممارساته.
واحتفل البويهيون بالمهرجان أيضاً، إذ أهدى الشاعر أبو هلال الصابيّ اصطرلاباً إلى عضد الدولة البويهي (المتوفى في 8 شوال 372هـ / 26 مارس 983م)، أرفقه بقصيدة جاء فيها:
لم يرض بالأرض يهديها إليك وقد أهدى لك الفلك الأعلى بما فيه
وحاول بعض الخلفاء منع الاحتفال بعيد النوروز والمهرجان، ففي سنة 363هـ/973م، أبطل الخليفة الطائع (363-381هـ / 974-991م)، هذا العيد، ولكن النّاس احتفلوا به بشكل أكبر من السابق، وحاول الخليفة منعهم، واستمرّ يؤدّب الناس ثلاث أيام، فلم ينفع التأديب، وظل العيد جارياً، واحتفل به في كل سنة. ينظر: آدم ميتز: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، ترجمة: محمد عبدالهادي أبو ريدة، ج2، ص294- 295.
وسبب ذلك هو ضعف سلطة الخليفة السياسية، ولهذا تشبّث خلفاء بني العباس في العهد البويهي (334-447هـ / 946 – 1055م) بنفوذهم الديني، للتعويض عما فقدوه للأمير البويهي، وأرادوا أن يظهروا أمام الناس بمظهر التقوى، ولهذا حاولوا منع إقامة الاحتفالات، أو التخفيف من حدّتها، على أقلّ تقدير.
وعلى أية حال فإن كانت الدراسات التاريخية تؤكد بأن الميثرائية ظهرت عند الميتانيين والخوريين القدماء، فهذا ما يؤكد بأن الميثرائية ظهرت عند الكرد أحفاد الميتانيين قبل أن تظهر عند الفرس والاقوام الايرانية الاخرى بمئات السنين، لأن الدولة الميتانية ظهرت في الربع الثاني من الالف الثاني قبل الميلاد في غرب كردستان، وعاصمتها واشوكاني تقع في غرب كردستان ولكن لم يتم العثورعلى أطلالها لحد الآن. والإمبراطورية الميتانية قوة إقليمية عظمى، تحدها الحيثيون شمالاً، والمصريون غرباً، والكاشيون جنوباً، ثم الآشوريون شرقاً. وبلغت أقصى امتداداتها غرباً حتى كيزواتنا عند جبال طوروس[= كيزواتنا (Kizzuwatna) كانت مملكة قديمة في الألفية الثانية قبل الميلاد تقع في جنوب شرق الأناضول (تركيا حالياً) محاطة بجبال طوروس ونهر جيهان، وعاصمتها كانت كوماني، وكانت منطقة غنية بالموارد ومهمة استراتيجياً لطرق التجارة بين الأناضول وبلاد الشام، وشهدت فترات حكم حثية وسلوقية ورومانية وعثمانية، وهي الآن جزء من تركيا وتتميز بطبيعتها الجبلية وتاريخها الأثري في مناطق مثل مرسين يحدها شمالاً جبال طوروس، وشرقاً جبال أمانوس، وجنوباً البحر الأبيض المتوسط، وغرباً لم يتم تحديدها بدقة]، وجنوباً حتى تونيب، وشرقاً حتى أرافي[مصطلح "منطقة أرافي" (Arafi) في تركيا قد يكون تحريفاً لاسم أرتفين (Artvin) في الشمال الشرقي، المعروفة بجمالها الطبيعي الخلاب ومناطقها الجبلية والغابات الكثيفة (مثل بحيرة كاراغول) وتعتبر وجهة لعشاق الطبيعة والمغامرات ]، وشمالاً حتى بحيرة وان . ويتجلى نفوذها في أسماء الأماكن والأسماء الشخصية الحورية، وانتشار نوع مميز من الفخار يُعرف باسم فخار نوزي (= كركوك الحالية).
أطلق سكان مملكة ميتاني على بلادهم اسم "كانيكالبات" وكذلك فعل الآشوريون، بينما أطلق عليها المصريون تسميتي "نهارين" و"ميتاني"، وقد امتدت تلك المملكة يومًا من شمالي العراق (= كردستان) عبر سوريا حتى الأراضي التركية، أي بعبارة أخرى أنها غطت غالبية أراضي كردستان الحالية؛ فكانت إحدى القوى العظمى حينها، أما اليوم فيكاد لا يتذكرها أحد.
ولم تعثر التنقيبات الأثرية إلا على ما ندر من سجلات الميتانيين أنفسهم، لكن المراسلات التي جرت بين ملوكهم وملوك آشور ومصر بحسب (رسائل تل العمارنة) [رسائل العمارنة (أو مسارد تل العمارنة أو أرشيف العمارنة) هي مجموعة كبيرة من الرُقم الطينية المكتوبة باللغة الأكادية (البابلية) والخط المسماري، وجدت في أرشيف قصر الملك المصري إخناتون (أمنحوتب الرابع) في مقر حكمه (أخت أتون) في تل العمارنة في مصر. تتكون الرسائل بشكل أساسي من مراسلات دبلوماسية بين الحكام المصريين وممثليهم في مملكتي كنعان وأمورو أو قادة المملكة المجاورة خلال عصر المملكة المصرية الحديثة بين 1360-1332 ق.م، نعم، رسائل العمارنة تحتوي على إشارات مهمة إلى مملكة ميتاني (Mitanni)، أجداد الكرد حيث كانت جزءاً أساسياً من شبكة العلاقات الدبلوماسية المعقدة بين مصر وبلاد الرافدين، وتتضمن مراسلات من ملوك ميتاني، خاصة الملك توشراتا (Tushratta)، إلى الفراعنة مثل أمنحوتب الثالث وأخناتون، وتناقش التحالفات والزواج السياسي وإرسال الهدايا، وتؤكد على الأهمية الجيوستراتيجية للمنطقة وتنافس مصر مع القوى الكبرى الأخرى مثل الحثيين.
ومن أبرز النقاط المتعلقة بميتاني في رسائل العمارنة: رسائل الملك توشراتا، هناك رسائل هامة من توشراتا، ملك ميتاني، إلى الفرعون، تشير إلى زواج ابنته نفرتيتي من الفرعون وتطلب منه إرسال الذهب والمساعدة، مما يوضح العلاقة القوية والاعتماد المتبادل بينهما. والتحالفات والصراعات، و تعكس الرسائل التوتر بين مصر وميتاني من جهة، والحثيين من جهة أخرى، وتظهر كيف كانت ميتاني حليفاً رئيسياً لمصر ضد التهديد الحثي المتزايد.
أما اللغة الدبلوماسية بين الجانبين فقد كانت اللغة الأكادية (لغة بلاد الرافدين) اللغة الدولية آنذاك، لذلك كُتبت رسائل ميتاني بها، وتُظهر الرسائل مدى هيمنة هذه اللغة في التواصل الدولي آنذاك. وقد استخدم ملوك ميتاني مصطلح "الأخ" في مراسلاتهم مع الفراعنة، وهو مصطلح دبلوماسي يعكس الاعتراف بمكانة كل منهما كملوك عظام على قدم المساواة، كما يقول الباحثون، ويطلبون الدعم والتبادل.]-إضافة إلى أقدم دليل (كتيب إرشادات) لتدريب الخيول في العالم، ومعاهدة بينهم وبين الحيثيين- تدل على ازدهار مملكتهم بين سنتي 1500 ق.م و 1240 ق.م. كون دولة ميتاني قوية - سنة 1350 ق.م - إلى درجة انضمامها إلى (نادي القوى العظمى) إلى جانب مصر وحاتي (الحيثيين) وبابل وآشور.