د. إبراهيم أحمد سمو
كاتب كوردي
الكورد في قلب التحولات الإقليمية: بين تسارع الأحداث ورهان الثقة بالقيادة
تشهد المنطقة في المرحلة الراهنة تسارعاً غير مسبوق في وتيرة الأحداث، حيث تتبدّل المعادلات السياسية والأمنية على نحو يشي بأننا أمام لعبة كبرى تتجاوز حدود الدول والجغرافيا. ومع ذلك، فإن الحقيقة الأعمق تكمن في أن الشعوب هي ذاتها، والأرض هي ذاتها، وما تغيّر عبر التاريخ لم يكن سوى الأنظمة والقوى المتصارعة، التي غالباً ما تحاول افتراس الأضعف مستفيدة من الظروف المحيطة. وفي خضم هذه التحولات، بقي الكورد صامدين، متمسكين بأرضهم، وبقدرتهم على الدفاع عن أنفسهم، وبقدرٍ من القرار الذي مكّنهم من حماية وجودهم، مستندين إلى الجبل، وإلى تاريخ طويل من الثورات والتضحيات.
إن الكورد اليوم ليسوا خارج المشهد، بل في قلبه تماماً. فهم يؤدون أدوارهم ضمن سياق تحكمه توازنات دولية وإقليمية شديدة التعقيد، حيث لا تُصنع القرارات دائماً في العواصم القريبة، بل في مراكز نفوذ بعيدة تتحرك وفق حسابات المصالح العميقة وما يمكن تسميته بـ«اللاوعي الدولي». ومع ذلك، يبقى إبداء الرأي وفهم ما يجري خلف الكواليس حقاً مشروعاً وضرورة وطنية، حتى وإن لم يكن كل ما يُعرف قابلاً للإعلان أمام الرأي العام.
من هذا المنطلق، أعتقد جازماً أن الكورد اليوم فاعلون في صميم الأحداث، لا على هامشها. قياداتهم ليست أسماءً عابرة، بل أطراف مؤثرة في معادلة التحولات الجارية، والاجتماعات المكوكية، واللقاءات السرية والعلنية، كلها تشي بأن ثمة أدواراً حقيقية تُناقش في غرف القرار. صحيح أن السياسة تقتضي أحياناً التحفظ، لكن الأهم هو ترسيخ الثقة بالقيادات القائمة، وبقدرتها على المناورة وحماية المصالح العليا للشعب الكوردي.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور المحوري للرئيس مسعود بارزاني، الذي أسهمت رؤاه ومواقفه الاستراتيجية في ترسيخ حضور الكورد إقليمياً ودولياً، وفي بناء علاقات متوازنة مكّنت كوردستان من أن تكون طرفاً يُحسب له حساب في المعادلات الكبرى.
ما يجري اليوم في أربيل ليس حدثاً عابراً. فاستضافة الإقليم لاجتماعات حساسة، من بينها اللقاء الذي جمع الممثل الأمريكي – وهو في الوقت ذاته السفير الأمريكي في تركيا – مع السيد مظلوم عبدي، وبجهود واضحة من رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني، يعكس مكانة الإقليم كمنصة موثوقة للحوار والتهدئة. هذه اللقاءات تُقابل بعين الأمل، لا بعين الشك، أملاً في أن تفضي إلى نتائج إيجابية، ولا سيما على الصعيد الأمريكي، الذي يفترض به ألا ينسى من وقف إلى جانبه في أوقات الشدة.
لقد أثبت الكورد، عبر التاريخ القريب والبعيد، أنهم قوة لا يُستهان بها. وكان لهم دور حاسم في مواجهة الإرهاب، ودفعوا أثماناً باهظة دفاعاً عن المنطقة والعالم. ولا يمكن للولايات المتحدة، أو غيرها من القوى الدولية، أن تتجاهل شجاعة المقاتلين الكورد، ولا التضحيات التي قدّمتها كوردستان لحماية قوات التحالف الدولي، وعلى وجه الخصوص القوات الأمريكية، في أحلك الظروف.
غير أن المشهد الراهن لا يخلو من التعقيد. فمنذ الأمس، برزت مؤشرات على وجود مساعٍ لإقناع الكورد بالانسحاب إلى شرق الفرات، بالتزامن مع صدور بيان الدولة السورية وبيان قوات سوريا الديمقراطية في توقيت واحد، في خطوة تحمل أكثر من رسالة. وقد يكون هذا التطور مرتبطاً بإرضاء بعض الحلفاء، أو الاستجابة لضغوط الأصدقاء، أو متصلاً بالمرسوم الجمهوري السوري وما يجري خلف الكواليس من مفاوضات. وحتى الآن، لم تتضح النوايا بشكل قاطع، والمشهد لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، في ظل تبدّل الأوضاع بسرعة فائقة، حتى على مستوى الداخل الكوردي نفسه.
وفي موازاة ذلك، تبقى إيران ملفاً مفتوحاً على سيناريوهات شتى، رغم التراجع الأمريكي الواضح،و لا سيما التصريح الاخير للرئيس ترامب. كما يعيش الخليج حالة ترقب على صفيح ساخن، فيما تتجه غزة نحو مرحلة إعادة الإعمار، ويتصدر اليمن والسودان نشرات الأخبار، في وقت تراجعت فيه القضية الفلسطينية عن صدارة الاهتمام الإعلامي والسياسي. إنها منطقة تقف بأسرها على فوهة بندقية السياسات الأمريكية، حيث تتقاطع القرارات الكبرى مع حسابات المصالح والنفوذ.
وسط كل هذه العواصف، يبقى الرهان الأساسي على وحدة الموقف، وعلى الثقة بالقيادة، وعلى قراءة هادئة وعميقة للأحداث بعيداً عن الانفعال. فالتاريخ علّمنا أن من يمتلك الصبر والحكمة، ويُحسن اختيار لحظته، هو الأقدر على تحويل العواصف إلى فرص، والمتغيرات إلى مكاسب تصب في خدمة مستقبل الشعوب