أربيل كعقدة توازن إقليمي: حين تتحول الدبلوماسية إلى أداة إدارة أزمات
لم تعد أربيل مجرد عاصمة لإقليم يتمتع باستقرار نسبي داخل عراق مضطرب، بل باتت، في لحظة إقليمية دقيقة، عقدة توازن سياسي ودبلوماسي في الشرق الأوسط. فالزيارة التي جمعت المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توماس باراك، وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، لم تكن حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل مؤشرًا واضحًا على انتقال أربيل إلى موقع «غرفة عمليات دبلوماسية» لإدارة أحد أعقد ملفات الإقليم: الملف السوري.
اختيار أربيل تحديدًا لم يكن اعتباطيًا. فالمدينة تمثل اليوم مساحة سياسية محايدة نسبيًا، قادرة على جمع أطراف متباعدة من دون إثقال الحوار بإرث العداء أو الاستقطاب الحاد. وفي هذا السياق، جاءت رعاية رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، مسعود بارزاني، للاجتماع الرئيسي، لتؤكد أن إقليم كوردستان لا يكتفي بدور المستضيف، بل يمارس دور الفاعل السياسي القادر على توفير ضمانات الحوار واستمراريته.
الاجتماعات التي عُقدت في أربيل أعادت وضع اتفاق 10 آذار 2025 على الطاولة، ليس بوصفه وثيقة مجمّدة، بل كإطار قابل لإعادة التفعيل في ظل انسداد الأفق العسكري واستحالة الحسم بالقوة. وهو ما يعكس تحوّلًا في المقاربة الأمريكية، التي باتت تبحث عن إدارة النزاع بدل تأجيله، وعن تسويات واقعية بدل شعارات انتقال سياسي غير قابلة للتنفيذ في المدى المنظور.
أهمية هذا اللقاء لا تكمن فقط في الأطراف المشاركة فيه، بل في رمزيته السياسية. فأن يجلس ممثل أمريكي رفيع، مع قيادة قوات سوريا الديمقراطية، برعاية كوردية، يعني أن ثمة اعترافًا عمليًا بدور القوى المحلية غير التقليدية في رسم مستقبل سوريا، بعيدًا عن ثنائية النظام والمعارضة التي أثبتت فشلها في إنتاج حل شامل.
من زاوية أوسع، فإن تحوّل أربيل إلى منصة حوار يعكس تراجع مركزية العواصم التقليدية في إدارة الأزمات الإقليمية، وصعود أدوار «العواصم الوسيطة» القادرة على الجمع بين النفوذ السياسي والمرونة الدبلوماسية. وهذا ما يمنح إقليم كوردستان موقعًا متقدمًا في معادلة التوازن الإقليمي، ليس فقط في الملف السوري، بل في إعادة تعريف علاقته ببغداد، وبالعواصم الإقليمية والدولية على حد سواء.
كما أن الرسائل التي خرجت من اللقاء، وخصوصًا تلك المتعلقة بمنع التصعيد وفتح قنوات الاتصال، تشير إلى إدراك متزايد بأن استمرار الصراع السوري بصيغته الحالية لم يعد يخدم أي طرف، وأن تكلفة الفوضى باتت أعلى من كلفة التسوية الجزئية. وهنا، يبرز دور إقليم كوردستان كوسيط «غير صدامي»، قادر على تسهيل التفاهمات من دون ادعاء الوصاية أو فرض الأجندات.
في المحصلة، لا يمكن قراءة زيارة باراك وعبدي إلى أربيل بمعزل عن التحولات الأوسع في الإقليم. فهي تعكس انتقالًا من سياسة إدارة النفوذ إلى سياسة إدارة التوازنات، ومن منطق الحرب المفتوحة إلى منطق التهدئة المرحلية. وفي قلب هذا التحول، تبرز أربيل ليس فقط كمدينة آمنة، بل كفاعل سياسي يمتلك شرعية الوساطة وقدرة التأثير.
إن تحويل أربيل إلى غرفة عمليات دبلوماسية ليس حدثًا عابرًا، بل علامة على مرحلة جديدة، تُعاد فيها صياغة أدوار اللاعبين، وتُختبر فيها قدرة الكيانات المستقرة نسبيًا على لعب دور يتجاوز حدودها الجغرافية. وهو رهان قد يضع إقليم كوردستان، للمرة الأولى، في موقع الشريك الإقليمي لا الطرف الهامشي في معادلات الشرق الأوسط المتغيّرة.