العلاقات الرياضية بين مصر وكوردستان من الملاعب إلى الدبلوماسية الشعبية
لم تعد العلاقات بين مصر وإقليم كوردستان العراق حبيسة الأطر السياسية أو محصورة داخل البروتوكولات الدبلوماسية التقليدية، بل اتسعت خلال السنوات الأخيرة لتشمل مساحات أكثر حيوية وتأثيرًا، يأتي في مقدمتها المجال الرياضي، الذي أثبت قدرته على بناء جسور إنسانية وثقافية عابرة للحدود. وقد شكّلت زيارة رئيس حكومة إقليم كردستان، مسرور برزاني، إلى القاهرة محطة فارقة أسهمت في تطوير هذا المسار وتعميق حضوره، لتتحول الرياضة إلى أحد روافد التقارب الحقيقي بين الجانبين.
فتاريخيا ،لعبت الرياضة دورًا محوريًا في تعزيز العلاقات بين الشعوب، ومصر وكردستان ليستا استثناءً من هذه القاعدة. فاللقاءات الرياضية، وتبادل الخبرات، واستضافة البطولات الدولية، أسهمت في خلق مساحة مشتركة للتواصل، بعيدًا عن الحسابات السياسية الضيقة. ومع تنامي الاهتمام بالرياضة كأداة من أدوات القوة الناعمة، بات واضحًا أن التعاون الرياضي بين القاهرة وأربيل يشكّل امتدادًا طبيعيًا لعلاقات ثقافية وإنسانية أعمق.
زيارة مسرور بارزاني… دفعة جديدة للتعاون الرياضي
جاءت زيارة مسرور برزاني إلى مصر لتمنح هذا التعاون دفعة نوعية، حيث فتحت آفاقًا جديدة لمشروعات مشتركة لم تقتصر على الاقتصاد والثقافة، بل شملت الرياضة بوصفها مجالًا قادرًا على ترسيخ التقارب الشعبي. وعكست الزيارة رغبة سياسية واضحة في توسيع دوائر التعاون، وهو ما تجلّى في الاهتمام المتزايد بتعزيز العلاقات الرياضية بين الجانبين، سواء على مستوى الأندية أو المنتخبات أو الاتحادات الرياضية.
من الدبلوماسية إلى الملاعب
أحد أبرز مؤشرات هذا التطور تمثّل في ما تردّد عن اهتمام النادي الأهلي المصري بالتعاقد مع مصطفى قابيل، لاعب نادي أربيل الرياضي والمنتخب العراقي الأولمبي. فرغم الطابع الرياضي البحت للصفقة، فإنها حملت دلالات أوسع، عكست تحوّل الملاعب إلى ساحة جديدة للدبلوماسية الشعبية، حيث يصبح انتقال لاعب أو إقامة مباراة أكثر من مجرد حدث رياضي، بل رسالة تقارب وتبادل ثقة بين مؤسسات رياضية تمثل مجتمعاتها.
بطولة أربيل… لحظة فارقة في الذاكرة الرياضية
ولا يمكن الحديث عن العلاقات الرياضية المصرية–الكردستانية دون التوقف أمام استضافة مدينة أربيل لبطولة كأس العالم للميني فوتبول للسيدات، والتي شهدت تتويج منتخب مصر باللقب العالمي في إنجاز غير مسبوق. ولم يكن هذا الحدث مجرد بطولة رياضية، بل مناسبة إنسانية وثقافية أكدت عمق العلاقات بين الجانبين، خاصة مع الحضور الرسمي الرفيع الذي حرص عليه مسرور برزاني بنفسه لتكريم المنتخب المصري، في رسالة واضحة عن تقدير الإقليم لمصر ومكانتها الرياضية.
الرياضة النسائية… بعد إنساني مشترك
مثّلت بطولة الميني فوتبول نموذجًا ناجحًا للتعاون في مجال الرياضة النسائية، التي تحظى باهتمام متزايد في كل من مصر وكردستان. وأسهم هذا الحدث في تعزيز صورة الرياضة كمساحة لتمكين المرأة، ورسّخ فكرة أن التعاون الرياضي لا يقتصر على المنافسة، بل يمتد إلى تبادل القيم والخبرات، ودعم الحضور النسائي في المجال الرياضي.
انعكاسات إيجابية على الشباب والمؤسسات الرياضية
إن تنامي العلاقات الرياضية بين مصر وكردستان يحمل انعكاسات إيجابية مباشرة على فئة الشباب، سواء من خلال الاحتكاك الرياضي، أو فرص الاحتراف، أو تبادل المعسكرات والخبرات الفنية. كما يفتح المجال أمام شراكات أوسع بين الاتحادات الرياضية، ويعزز من حضور الجانبين في المحافل الإقليمية والدولية، بما يخدم مصالحهما المشتركة.
الرياضة كمسار مستدام للتقارب
تؤكد التجربة أن الرياضة قادرة على لعب دور مستدام في تعزيز العلاقات بين مصر وكردستان، خاصة حين تحظى بدعم سياسي ورؤية استراتيجية واضحة، كما حدث عقب زيارة مسرور برزاني إلى القاهرة. فهذه الزيارة لم تُسهم فقط في تنشيط العلاقات الرسمية، بل أعادت تسليط الضوء على أهمية الرياضة كأداة تواصل حضاري وإنساني، قادرة على تجاوز الحدود وبناء جسور طويلة الأمد بين الشعوب.
فقد جاءت تجربة منتخب مصر الوطني لسيدات كرة القدم المصغرة "الميني فوتبول" في أربيل لتشكّل ذروة هذا المسار المتصاعد من التعاون الرياضي بين مصر وإقليم كردستان، ولتمنح العلاقات الثنائية بعدًا عمليًا وملموسًا يتجاوز الاتفاقات والتصريحات. فقد تحولت البطولة التي استضافتها عاصمة الإقليم إلى محطة فارقة في تاريخ الرياضة المصرية، وإلى نموذج حي لكيف يمكن للرياضة أن تكون أداة للتقارب والتفاهم بين الشعوب.
أربيل… مسرح الإنجاز العالمي
في مدينة أربيل، وعلى أرض إقليم كردستان العراق، كتب منتخب مصر للسيدات فصلًا جديدًا من فصول الإنجاز الرياضي، بعدما توّج بلقب كأس العالم للميني فوتبول، في بطولة شهدت تنافسًا قويًا وحضورًا دوليًا واسعًا. ولم يكن الفوز مجرد انتصار رياضي، بل رسالة واضحة عن قدرة التعاون والتنظيم المشترك على صناعة لحظات تاريخية في ذاكرة الرياضة.
نهائي مثير ورسالة تفوق
شهدت المباراة النهائية مواجهة مثيرة بين المنتخب المصري ونظيره البرازيلي، انتهت بالتعادل الإيجابي بهدف لكل فريق، قبل أن يحتكم المنتخبان إلى ركلات الترجيح، التي ابتسمت للفراعنة بنتيجة (3–2). وتقدم المنتخب المصري مبكرًا بهدف أحرزته يارا صبري، بينما أدرك المنتخب البرازيلي التعادل في الدقائق الأخيرة من الشوط الأول، ليبقى الحسم مؤجلًا حتى اللحظات الأخيرة، في لقاء جسّد الروح القتالية والإصرار اللذين ميّزا لاعبات المنتخب المصري.
تكريم رسمي وحضور دال
اكتسب التتويج بعدًا سياسيًا وإنسانيًا خاصًا، مع حضور مسرور برزاني، رئيس حكومة إقليم كردستان العراق، المباراة النهائية، وحرصه على تكريم لاعبات المنتخب المصري والجهاز الفني، في مشهد حمل دلالات عميقة حول مكانة مصر الرياضية، وحول تقدير الإقليم لدور الرياضة كجسر للتواصل والتقارب. كما عكس هذا الحضور الرسمي إيمان القيادة الكردستانية بأهمية الرياضة كجزء من العلاقات الخارجية والدبلوماسية الشعبية.
المرأة في قلب المشهد الرياضي
مثّل فوز منتخب مصر للسيدات بكأس العالم للميني فوتبول انتصارًا مزدوجًا، ليس فقط على المستوى الرياضي، بل على مستوى دعم وتمكين المرأة في المجال الرياضي. وقدّمت البطولة نموذجًا ملهمًا للتعاون في الرياضة النسائية، ورسّخت فكرة أن القاهرة وأربيل تتشاركان رؤية متقاربة تجاه دور المرأة في المجتمع، بما يعزز القيم الإنسانية المشتركة بين الجانبين.
أثر ممتد يتجاوز البطولة
لم يتوقف أثر هذه التجربة عند حدود التتويج، بل امتد ليعزز الثقة المتبادلة بين المؤسسات الرياضية في مصر وكردستان، ويفتح الباب أمام مزيد من الفعاليات المشتركة، وتبادل الخبرات الفنية والتنظيمية. كما أسهم الحدث في ترسيخ صورة أربيل كمدينة قادرة على استضافة بطولات دولية كبرى، وفي الوقت ذاته دعم الحضور المصري القوي في المحافل الرياضية العالمية.
الرياضة كذاكرة مشتركة للمستقبل
هكذا تحولت تجربة منتخب مصر للسيدات في أربيل إلى ذاكرة مشتركة تختزنها العلاقات المصرية–الكردستانية بوصفها أحد أنجح نماذج التعاون الرياضي. ومع ما أفرزته زيارة مسرور برزاني إلى القاهرة من ديناميكية جديدة، يبدو أن هذه التجربة لن تبقى حدثًا استثنائيًا، بل نقطة انطلاق نحو مرحلة أكثر عمقًا واستدامة، تصبح فيها الرياضة أحد الأعمدة الرئيسية التي تُبنى عليها علاقات التقارب بين مصر وإقليم كردستان، اليوم وغدًا.