من الفاتيكان إلى دافوس: الرئيس مسعود بارزاني ورئيس الوزراء مسرور بارزاني يعيدان طرح القضية الكوردية على الساحة الدولية

من الفاتيكان إلى دافوس: الرئيس مسعود بارزاني ورئيس الوزراء مسرور بارزاني يعيدان طرح القضية الكوردية على الساحة الدولية
من الفاتيكان إلى دافوس: الرئيس مسعود بارزاني ورئيس الوزراء مسرور بارزاني يعيدان طرح القضية الكوردية على الساحة الدولية

من قال إن القضايا العادلة تموت بالصمت، أو أن الحقوق تُنسى إذا أُغفلت في زحمة الأخبار؟ ومن قال إن ما يهزّ وجدان الشعوب يمكن أن يُمرَّر مرور الكرام بلا توثيق ولا تذكير؟ إن زيارة الرئيس مسعود بارزاني إلى الفاتيكان وإيطاليا لم تكن زيارة بروتوكولية عابرة، بل جاءت في لحظة سياسية حسّاسة لتؤكد أن القضية الكوردية ما تزال حيّة في الضمير العالمي، وأنها لم تغب عن أجندة الفعل السياسي والأخلاقي الدولي.

في الفاتيكان، حيث الثقل الرمزي والأخلاقي العالمي، أعاد الرئيس بارزاني طرح القضية الكوردية بوصفها قضية حقوق وعدالة وكرامة إنسانية، لا مجرد ملف سياسي إقليمي. فالفاتيكان ليس مؤسسة دينية فحسب، بل فاعل معنوي عالمي له تأثيره على الرأي العام الدولي وصنّاع القرار. وحين تُطرح القضية الكوردية هناك، فإن ذلك يعني أنها خرجت من إطارها المحلي الضيق إلى فضاء القيم الإنسانية الكبرى: حق الشعوب في العيش بكرامة، وحقها في تقرير مصيرها، وحقها في الحماية من الإقصاء والعنف والإنكار.

لقد شدّد الرئيس بارزاني خلال هذه الزيارة على أن الحل لا يكون بالتصعيد ولا بالعسكرة، بل بالحوار والعقلانية والاحتكام إلى الدستور والقانون. وأكد رفضه القاطع لجرّ المنطقة إلى صراع عربي–كوردي، لما يحمله ذلك من كوارث إنسانية وسياسية لا تخدم سوى أعداء الاستقرار. هذا الخطاب لم يكن موجّهًا للكورد وحدهم، بل إلى المجتمع الدولي أيضًا، بوصفه نداءً لتغليب منطق الحكمة على منطق القوة.

تكتسب هذه الزيارة أهميتها المضاعفة حين تُقرأ في سياق ما يجري في روژ آفا. فما حدث هناك لم يعد شأنًا حزبياً أو محلياً محدوداً، بل تحوّل إلى قضية رأي عام كوردي بامتياز. روژ آفا خرجت من الإطار الحزبي الضيق ودخلت ميدان اللحمة الجماهيرية، لتغدو رمزًا لمعركة الكرامة والحقوق والهوية. وقد كشفت تطوراتها حجم القلق المشروع لدى الشارع الكوردي من الانزلاق نحو صراع قومي خطير، وهو ما حذّر منه الرئيس بارزاني مرارًا، ولا سيما في تصريحاته الأخيرة.

إن الربط بين روژ آفا وزيارة الفاتيكان ليس ربطًا شكليًا، بل جوهريًا. فالقضية واحدة في جوهرها: شعب يطالب بحقوقه المشروعة ضمن إطار وطني جامع، ويرفض أن يُدفع إلى صراعات عبثية أو يُستخدم وقودًا في صراعات الآخرين. ومن هنا، فإن طرح هذه القضية في الفاتيكان يحمل رسالة واضحة: إن ما يجري في روژ آفا ليس نزاعًا داخليًا معزولًا، بل مسألة حقوق إنسان وعدالة تاريخية.

وفي السياق ذاته، يأتي حضور القيادة الكوردية في منتدى دافوس الاقتصادي ليكمل هذا المسار السياسي والدولي. فحين يذكّر رئيس حكومة إقليم كوردستان، السيد مسرور بارزاني، في دافوس بالقضية الكوردية وبملف روژ آفا تحديدًا، إلى جانب دعوته للاستثمار في كوردستان، فإنه يربط بين الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي. فالدول لا تستثمر في مناطق مضطربة، ولا تراهن على مستقبل غامض. وحين تُطرح كوردستان بوصفها منطقة واعدة وآمنة نسبيًا، فهذا اعتراف ضمني بشرعية مشروعها السياسي وبقدرتها على أن تكون شريكًا موثوقًا في معادلات الإقليم.

غير أن الأهم من الاقتصاد والسياسة معًا هو البعد الأخلاقي الذي أعادت زيارة الفاتيكان تسليط الضوء عليه. فالقضية الكوردية لم تُختزل يومًا في مطالب مادية أو مكاسب ظرفية، بل كانت – ولا تزال – قضية كرامة وهوية وعدالة تاريخية. وهنا يتجلى الدور المحوري للرئيس مسعود بارزاني بوصفه قائدًا حافظ على ثبات الخط السياسي القائم على الحوار ورفض الانتقام والعداء القومي.

لقد اختلطت الأوراق إعلاميًا في الفترة الأخيرة بين أحداث روژ آفا، ومخرجات دافوس، وزيارات القادة الكورد إلى العواصم الأوروبية. غير أن الخيط الناظم بينها جميعًا واحد: إعادة وضع القضية الكوردية في صدارة الاهتمام الدولي. من دافوس إلى الفاتيكان، ومن روژ آفا إلى روما، تتأكد مرة أخرى حقيقة واحدة: أن هذه القضية لم تُنسَ، ولم تُطوَ صفحتها كما يروّج البعض.

إن التذكير بما يجري في روژ آفا، وطرح القضية الكوردية في الفاتيكان، والحديث عنها في دافوس، ليس ترفًا فكريًا ولا دعاية سياسية، بل واجب أخلاقي وسياسي. لأن الصمت عن الظلم لا يصنع سلامًا، وتجاهل المعاناة لا يبني مستقبلًا مستقرًا.

ومن هنا، يمكن القول إن زيارة الرئيس مسعود بارزاني إلى الفاتيكان لم تكن محطة دبلوماسية عادية، بل لحظة مفصلية أعادت القضية الكوردية إلى قلب المشهد الدولي، وأكدت أن صوت العقل والحوار ما زال أقوى من ضجيج السلاح، متى ما وُجدت قيادة واعية وإرادة جماهيرية حيّة.