الميثرائية الديانة الكوردية الرئيسية قبل الاسلام القسم الثالث

الميثرائية الديانة الكوردية الرئيسية قبل الاسلام القسم الثالث
الميثرائية الديانة الكوردية الرئيسية قبل الاسلام القسم الثالث

مما لا شك فيه أن الديانة الميثرائية  Mithraism، تنسب الى إله الشمس الايراني ميثرا، وهي ديانة هندو إيرانية مكرسة لعبادة الإله ميثرا، الذي اشتق اسمه من لفظة ميهرا في اللغات الايرانية القديمة التي تعني مهركان – مهرجان و ذلك للدلالة على الإحتفالات التي كانت تقام له.

وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أن الميثرائية ترجع إلى القرن السادس عشر قبل الميلاد لدى الايرانيين من الكورد والفرس وغيرهم، وأن الإله ميثرا ذكر لأول مرة في المصادر الكتابية في عام 1350 ق.م وكان ذلك في أحد نصوص الاتفاق الذي أبرم بين الملك الحيثي (شوبيلوليوما) والملك الميتاني (ماتيوازه). كما يؤكد المستشرق الامريكي وول ديورانت(1885 – 1981م) أيصاً، أن الإله الآري الكبير (ميثرا) أوجده الميتانيون، وهم دون شك أحد أجداد الكرد الغربيين، حيث يقول بهذا الصدد: “… يهمنا من هذه الشعوب الميتانيون وليس ذلك لأنهم أعداء مصر الأقدمون في الشرق الادنى، بل لأنهم أول الشعوب الهندوأوربية التي عرفناها في آسيا، ولأنهم أول عبدة الآلهة – ميثرا – وإندرا – وفيرونا – التي انتقلت منهم إلى فارس والهند، فأعانتنا بانتقالها على تتبع حركات الجنس الذي كان يطلق عليه من قبل التيسير الجنس الآري”. ولديورانت، قصة الحضارة، ترجمة: زكي نجيب محمود، محمد بدران، عبد الحميد يونس، ج1، ص503.

وتذكر مصادر تاريخية أخرى أن الميثرائية اقتبسها الايرانيون من الديانة البابلية بعد غزو الملك الاخميني كورش الثاني (559 – 530ق.م) لبابل عام539ق.م، حيث اقتبس كهنة الفرس المجوس مبدأ الزروانية (= الزمن) من البابليين. والذي جعل منه الميثريون (الشمس التي لا تقهر). ارثر كريستنسن، ايران في عهد الساسانيين، ترجمة: يحيى  الخشاب، راجعه: عبدالوهاب عزام، ص133.

فمن المعلوم بوجود إله الشمس ( شمش) لدى البابليين القدماء، وهو إله النور والحكمة لدى الهندوس والفرس، الموطن الأصلي له إيران، جاء ذكره في أقدم الكتب المقدسة لدى الهندوس (ريك فيدا) تحت اسم ميثرا، وكان الإله ميثرا في الأصل، إلها ثانويا مساعدا لإله السماء الهندوسي (فارونا) حسب الديانة الفيدية. أما في الوسط الإيراني، فكان إلهاً مساعداً لإله النور و الخير (أهورمزدا) في صراعه مع قوى الشر؛ وهذا ما ساهم في تجسيده لصفة إله محارب لدى الفرس، أو اعتناقه من قبل الجنود الرومان، ذلك عبر خلفيته المحاربة التي ترسخت في العقلية الفكرية للمعتقدين بالديانة الميثرائية، الذين كانت أغلبيتهم من المؤسسة العسكرية في الجيش الروماني أو الفارسي على حدٍ سواء.

ففي كتاب الأفستا الزرادشتي، ورد اسم ميثرا كإله للنور والحقيقة، عدو الكذب و الخطيئة، وأنه يعاقب كل من يحلف يمينا كاذبا أو ينحرف عن الحق و النزاهة، كما ورد بأنه يهب الصحة، الصداقة والرجاء للذين يمجدونه و يؤمنون به، وكان يعرف لدى الفرس أيضا باسم يازور التي تعني باللغة الفارسية القديمة (المنقذ) أو الفادي.

وظلت عبادة ميثرا منتشرة في إيران حتى تم إلغاء طقوسها من قبل زرادشت، الذي عبر إنتشار تعاليمه ضعفت التأثيرات أو الإشارات إلى إستمرارعبادة ميثرا بقوة في إيران، أي أنها لم تعد بالقوة نفسها التي كانت قبل ظهور زرادشت على المسرح الديني الفارسي في العهد الإخميني(550 – 331ق.م). وعلى الرغم من إعتناق بعض الملوك الاخمينيين الفرس للزرادشتية، إلا أن تسامحهم الديني سمح بإنتشار الميثرائية ضمن حدود الإمبراطورية، وعاد الإله ميثرا للظهور إلى جانب أهورمزدا، مصورا كإله للشمس، حتى أن ملوك الفرس الاخمينيين كان يستمدون قوتهم منه، ليتخذ تاج الملوك الإخمينيين هيئة قرص الشمس المعبرة عن عين الإله ميثرا.

وإذا كانت عبادة ميثرا قد إنتهت من الاقاليم الايرانية في العصور الكلاسيكية، بعد غزو الإسكندر الأكبر لايران عام330ق.م، إلا أن عبادته لم تغب عن مسرح الأحداث، بل أخذت منعطفا آخر، ذلك عبر إنتشارها بين الإغريق والرومان خلال العصور الكلاسيكية.

المعبد الميثرائي:

يسمى المعبد الميثرائي ميثرايوم Mithraeum أي المكان المكرس لعبادة ميثرا، وهو البناء الذي يجتمع فيه أتباع الديانة لممارسة طقوسهم السرية، وإقامة حفلات العماد وتقديم القرابيين. ومن أهم المعابد الميثرائية في العالم: ميثرايوم (كركلا) في ايطاليا وهو من أكبر المعابد الميثرائية المكتشفة في العالم موجود في روما ضمن سور المدينة القديمة. المعبد الآخر الأكثر أهمية هو ميثرايوم (أوستيا ) الموجود أيضا في روما وهو الأشهر في العالم لناحية وضعه الإنشائي المحفوظ بشكل جيد، مع مذبحه ورسوماته الجدارية، مما أتاح للباحثين إعطاء فكرة واضحة عن المعابد الميثرائية وطقوس العبادة فيها. لدينا أيضا العديد من المعابد الميثرائية الأخرى والمشهورة الموجودة داخل الإمبراطورية الرومانية، منها: معبد: (سان كلمنت)، معبد (سانتا بريسكا). خارج أراضي روما، أيضا، هناك العديد من المعابد الميثرائية المنتشرة في اليونان، آسيا الصغرى وسوريا التي إكتشف فيها مؤخرا معبد للميثرائيين في مدينة دروا أوربوس الأثرية قرب مدينة دير الزور الواقع على نهر الفرات، في الوقت الذي تمت الاشارة الى المعابد الكوردية آنفاً في القسم الثاني.

و لشرح بنية أو هيكلية المعبد الميثرائي، يجب أن نوضح أن المعبد الميثرائي كان يقام في كثير من الأحيان في كهوف طبيعية أو في أبينة مهيئة خصيصا لتشبه هيئة كهف طبيعي في جبل، غالبا كانت تحت الأرض، بحسب التصورات الميثرائية فان إنطباع صورة بزوغ الشمس من ناحية الجبال و غروبها خلف الجبال، تشمل تفسيرا لدى الميثرائيين يقول أن إله الشمس ميثرا يخلق و يغرق خلف الجبال عبر عملية الشروق و الغروب في كل يوم، لذلك وجب بناء معبد شبيه بهذه الصورة عبر كهف طبيعي أو صناعي في جبل. أيضا عندما يكون ممكنا يتم تأسيس الميثرايوم ضمن مبنى قائم أو تحته. نأخذ كمثال حي، ميثرايوم أوسيتيا في روما، الذي يتكون من مبنى على هيئة كهف طبيعي، المساحة الداخلية مستطيلة تقريبا، المبنى تحت الأرض يضم رواقا طويلا حوالي خمسة عشر متر، لا وجود للنوافذ فيه، في أغلب الأحيان لا يدخل الضوء إليه، على طول جانبيه يوجد مقعد خشبي لجلوس أعضاء الطقس الديني الممارس، في نهاية الرواق، عند منتصفه تماما ينتصب المذبح المكرس للإله ميثرا، الذي في أغلب الأحيان يحتوي على رسم Tauroctony الذي يمثل رمز الميثرائيين الأهم و المحوري و الذي يضم نحتا أو تصويرا للإله ميثرا وهو يهم بنحر الثور، مع رسوم أخرى محيطة به تمثل تصورات ميثرائية. السقف في الميثرايوم غالبا ما يكون مزين برسوم تجسد قبة السماء مع الشمس والنجوم بالإضافة إلى الكواكب والأبراج. بسبب كون الديانة الميثرائية ديانة باطنية، يلاحظ أن المعبد الميثرائي يختلف من حيث الحجم عن المباني الدينية الكبيرة للديانات الأخرى التي كانت مسموحة بشكل ظاهري كالمعابد أو الكنائس الرومانية، بينما نرى الميثرايوم دوما بحجم صغير ومساحة صغيرة، فهو مخصص لإقامة الطقوس الدينية للجماعة الميثرائية، التي غالبا تنتهي بمأدبة مشتركة لعناصر المجموعة، الذين لا يتجاوز عددهم بضع عشرات.

ومن جانب آخر تلعب المياه دورا مهما في الميثرايوم، فهي رمز يستخدم للتنقية والتطهر، في الميثرايوم، إن لم يكن النبع أو الشلال خلف المذبح طبيعي، فغالبا يستعاض عنه بصنع شلال أو نبع صناعي فهو من أهم الأساسيات في معابدهم.

بالنسبة للطقوس الديينة للميثرائيين، يجب الاشارة إلى أن الميثرائية دين ذكوري، ينتشر فقط بين: الأباطرة، النبلاء و الجنود، بمعنى أن الأسرار والطقوس الميثرائية لم تكن تعلم للنساء ضمن المجموعة الدينية، وهي بذلك كانت حصرا على الرجال فقط.  الموضوع الآخر هو أن العبادة الميثرائية كانت مرتبطة بتراتبية دينية متصلة مع عالم الكواكب والافلاك، نراه بشكل واضح في أساسيات العقيدة وهي عبادة إله الشمس والتراتبية الدينية للكواكب بالنسبة لهم، عبر ترميز معناها بشكل باطني     ووضعها في مراتب يجب على المريد أن يعبرها و يتجاوزها حتى يتوصل إلى التماهي في العقيدة الميثرائية.