محمد حسن الساعدي
كاتب ومحلل سياسي
الإصلاح في المنظومة السياسية للعراق بين إرادة التغيير وتحديات الواقع
يمرّ العراق اليوم بمرحلة مفصلية تفرض على جميع القوى الوطنية إعادة النظر في بنية النظام السياسي وآليات عمله،فبعد أكثر من عقدين على التحول الديمقراطي،ما زالت الدولة تعاني من أزمات متراكمة في الإدارة والاقتصاد والخدمات،فيما تتسع الفجوة بين تطلعات المواطنين وأداء المؤسسات،فهذه الوقائع تؤكد أن الإصلاح لم يعد ترفاً فكرياً،بل شرطاً لازماً لحماية الاستقرار وصون وحدة البلاد.
المشكلة الأساسية لا تكمن في مبدأ الديمقراطية ذاته،بل في التشوهات التي رافقت تطبيقه،فقد تحوّلت المحاصصة من آلية مؤقتة لطمأنة المكوّنات إلى قاعدة ثابتة لإدارة الدولة،الأمر الذي أضعف معيار الكفاءة ورسّخ منطق الغنيمة السياسية،ومع غياب الرقابة الفاعلة نمت شبكات الفساد،وتراجعت هيبة القانون،وأصبحت مؤسسات الدولة أسيرة التجاذبات الحزبية بدلاً من أن تكون في خدمة المواطن.
إن أي مشروع إصلاحي جاد يجب أن يبدأ من إعادة بناء الثقة،وهذه الثقة لا تُستعاد بالشعارات والآمال،بل بخطوات عملية في مقدمتها إصلاح المنظومة الانتخابية بما يضمن عدالة التمثيل ويحدّ من تأثير المال السياسي والسلاح خارج إطار الدولة،كما أن تعزيز استقلال القضاء وتمكين هيئات النزاهة ومنحها أدوات حقيقية للمحاسبة يمثلان المدخل الطبيعي لاستعادة هيبة القانون.
أما على الصعيد الاقتصادي، فأن العراق يدفع ثمناً باهظاً لاعتماده شبه الكامل على النفط،فالدولة الريعية أضعفت روح المبادرة وأنتجت جهازاً إدارياً مترهلاً غير قادر على خلق فرص عمل للشباب،لذلك فأن أولى معاييرالإصلاح الاقتصادي ينبغي أن يقوم على تنويع مصادر الدخل، ودعم الزراعة والصناعة، وتشجيع الاستثمار المنتج، مع توجيه الموازنات نحو مشاريع البنى التحتية لا نحو أبواب الهدر،فالأمن الاجتماعي هو الوجه الآخر للأمن السياسي،ولا يقل الإصلاح الإداري أهمية عن الإصلاح السياسي والاقتصادي، بل ربما أن الاصلاح الاقتصادي يعد احد أهم مدخلات الاصلاح السياسي، فترهل الجهاز الوظيفي وتعقيد الإجراءات فتحا الباب أمام الرشوة والمحسوبية،لذلك فأن المطلوب اعتماد نظام خدمة مدنية يقوم على التنافس والكفاءة، وتفعيل الحكومة الإلكترونية لتقليل الاحتكاك بين المواطن والموظف، وإطلاق برنامج وطني لتدريب الكوادر الشابة القادرة على إدارة الدولة بعقل حديث.
التحدي الأخطر فيبقى ثقافياً واجتماعياً،فاستمرار الخطاب المذهبي والمناطقي يهدد فكرة المواطنة ويقوّض أي محاولة لبناء دولة قوية،فالإصلاح الحقيقي يعني الانتقال من منطق المكوّنات إلى منطق المواطنين،ومن الولاء للحزب إلى الولاء للوطن،ومن هنا يبرز دور التعليم والإعلام والمؤسسات الدينية في ترسيخ قيم العيش المشترك واحترام التنوع واعتماد منطق الانتماء الوطني على أي انتماء آخر.
إن مسؤولية الإصلاح مشتركة بين الجميع سواءً على مستوى القوى السياسية أو المكونات نزولاً الى الفرد العراقي،فالقوى السياسية مطالَبة بالتنازل عن جزء من مصالحها لصالح الدولة، والحكومة مطالَبة ببرنامج واضح قابل للقياس، والمجتمع المدني مطالب بالرقابة والضغط السلمي،والمواطن مطالب بالمشاركة الواعية في الانتخابات وعدم بيع صوته تحت أي ظرف فالديمقراطية لا تستقيم من دون مواطن فاعل.
لقد أثبتت تجارب الأمم أن الأزمات يمكن أن تكون بوابة نهوض إذا توفرت الإرادة من الجميع لرفع الواقع السياسي والاجتماعي للعراق وشعبه،خصوصاً وان العراق يمتلك من الثروات البشرية والطبيعية ما يجعله قادراً على التحول إلى قوة إقليمية مستقرة، وهذا ما أثبته خلال السنوات الماضية من خلال دوره المهم في تقريب وجهات النظر بين الدول المتصارعة في المنطقة، بالاضافة الى نجاح العقلية العراقية في إبعاد العراق عن أي صراع فيها ،فالإصلاح ليس انقلاباً على العملية السياسية،بل تصحيح لمسارها كي تستعيد الدولة وظيفتها الأساسية، لان خدمة الإنسان العراقي وصون كرامته وبناء مستقبل آمن للأجيال القادمة ينبغي أن تكون من أولوياته.