بناء الأمة أولاً.. فلسفة التوحيد في مواجهة غدر التاريخ

بناء الأمة أولاً.. فلسفة التوحيد في مواجهة غدر التاريخ
بناء الأمة أولاً.. فلسفة التوحيد في مواجهة غدر التاريخ

إنّ تاريخ الأمم العظيمة يبيّن أن القوة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأحزاب أو الأصوات، بل بقدرتها على أن تصهر الولاءات المتفرقة في إرادة وطنية واحدة؛ فالوحدة ليست ترفًا سياسيًا أو شعارًا يُرفع في المناسبات، بل هي شرط البقاء. الدولة التي تنقسم في لحظة البناء تتحول سريعًا إلى ساحة مفتوحة لمصالح الآخرين، كما نشاهدها نحن الكورد. أمّا الدولة التي تتوحد حول وعيٍ مشتركٍ ومؤسساتٍ راسخة، فإنها تكتسب احترام العالم لأنها تعرف أولوياتها ولا تتنازع على سلطتها.

لقد علّمتنا التجارب أن الديمقراطية لا يمكن أن تسبق وجود الدولة؛ فقبل أن تُفتح صناديق الاقتراع، يجب أن تُبنى المؤسسات، وقبل أن نتحدث عن الحرية، يجب أن نفهم معنى المسؤولية. فالقوة ليست نقيضًا للحرية، بل أساسها المنظّم. وكما أدرك "بسمارك" في توحيد ألمانيا، فإن القبضة الصارمة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لحماية الكيان من التفتت حتى يشتد عوده ويتهيأ للانفتاح؛ وعلى الرغم من اتهامه بالدكتاتورية، فقد أثبت التاريخ أن صرامته كانت ضرورة للولادة القومية.

وهنا يلتقي هذا المبدأ مع ما أكّده "ميكيافيلي" في فلسفة الحكم: أنّ القائد لا يجوز له أن يتردّد في لحظة البناء، بل يجب أن يكون جريئًا وحاسمًا في موقفه. وقد رأينا في الحكومة السابقة بوادر من هذا النهج الحازم، حين اتُخذت خطوات جريئة لترسيخ الاستقرار وفرض الانضباط، وها نحن اليوم نشهد استمرار هذا المسار بثقةٍ أكبر، لأنّ القائد الذي يقود الإصلاح اليوم يؤمن بأنّ الدولة تُبنى بالعزم لا بالمجاملات، وبالثبات لا بالتردد. إنّ الصرامة في لحظة التأسيس ليست قسوة، بل رحمة سياسية تحفظ الدولة من الفوضى وتُمهّد لوعيٍ وطنيٍّ ناضج.

إنّ واقعنا الراهن يفرض علينا حقيقة مُرّة: مهما بلغت قوة حلفائنا، فإنّ الغدر بنا يظلّ احتمالاً قائماً في أي لحظة ما لم نكن يداً واحدة قوية؛ فالحليف في السياسة الدولية يبحث دوماً عن "الحليف الأقوى" ليكون سنداً له، لا عن الضعيف المشتت. لقد تجرعنا من مرارة التاريخ الكوردي دروساً قاسية حول كيفية تأثير تمزيق الصفوف على إجهاض حلم الدولة. واليوم، نحن في الإقليم معرضون لخطر أكبر لأننا نمتلك كياناً حقيقياً؛ وهذا الكيان لا يجب أن يرتهن كلياً للاعترافات الدولية التي قد تتلاشى في دقائق. ولنا في تجربة "قسد" خير برهان؛ فعلى الرغم من الرعاية والدعم والتدريب، إلا أن المصالح الدولية تجاوزت كل التضحيات التي قُدمت في مواجهة مد "داعش" والاستقرار، لتجد نفسها وحيدة أمام تقلبات الأجندات الكبرى. إن بقاءنا مهدد طالما أننا ننتظر ضمانات من الخارج ولا نبني حصانتنا من الداخل، خاصة في ظل ما نتابعه اليوم من أصوات تتعالى عبر وسائل التواصل الاجتماعي تهدد الإقليم وتتربص به.

التجربة الكوردية مثالٌ حيّ على هذه المفارقة التاريخية، فعندما اختير مبدأ "ففتي ففتي" عام 1992 لتقاسم السلطة، لم يكن ذلك تراجعًا أو ضعفًا، بل خطوة جريئة اتُّخذت بحكمة لتجنّب الصراع الداخلي وإرساء أسس السلم الأهلي. لقد أرادت القيادة حينها أن تجعل من التفاهم مدخلًا لبناء الثقة بين القوى الكوردية تمهيدًا لمشروع قومي متماسك، غير أن بعض الأطراف، التي لم تُدرك البعد الاستراتيجي لهذا القرار، قرأته من منظور التنافس لا من منظور الدولة، فاستغلته لترسيخ نفوذها بدلاً من دعم الوحدة المنشودة. وهكذا، تحوّل فعل الشجاعة السياسية إلى فرصة ضائعة؛ لا لأنه كان خطأ في جوهره، بل لأنّ الوعي الجمعي حينها لم يدرك أنه كان خطوة لصالح فكرة الوطن لا لصالح طرفٍ بعينه.

ولذلك، فإن بناء الدولة لا يبدأ من فوق، بل من تحت، من العقول والضمائر. فكل إصلاح حقيقي يبدأ من المنابر الدينية والإعلامية، بوصفها خط الدفاع الأول، ومن المدرسة بوصفها الخندق الثاني لترسيخ هذا الوعي، ابتداءً من رياض الأطفال التي تُعلّم الطفل أن الوطن بيت واحد لا قبيلة ولا حزب. فالمدرسة هي المكان الذي تُصاغ فيه هوية الأمة، وحيث يجب أن تتوحّد الخطابات، وحين نزرع في أذهان أطفالنا معنى الوطن، ونُعلّم شبابنا أن الخلاف ليس مبررًا للانقسام، نصل إلى مرحلة يكون فيها التعدد غنىً لا خطرًا، وعندها فقط تصبح الديمقراطية ثمرةً طبيعية لدولة ناضجة لا فوضى تُقام على أنقاضها، مع ضرورة إغلاق أبواب التضليل والتشويش الفكري الذي يزرع التعددية المريضة قبل أن تتكوّن الدولة نفسها، ليبقى الشعار اليوم واحدًا لا شريك له: لا ولاء إلا للدولة، ولا صوت يعلو فوق صوت الحكومة.