بين رصاص المقاتل الكوردي وضجيج المهرجين.. من يكتب التاريخ ومن يبيع الكلام؟

بين رصاص المقاتل الكوردي وضجيج المهرجين.. من يكتب التاريخ ومن يبيع الكلام؟
بين رصاص المقاتل الكوردي وضجيج المهرجين.. من يكتب التاريخ ومن يبيع الكلام؟

لا يحتاج المراقب إلى ذكاء حاد ليدرك الحالة الهستيرية التي تصيب فيصل القاسم كلما ذُكر اسم "الكورد". نحن هنا لسنا أمام مجرد إعلامي، بل أمام حالة مستعصية من الشوفينية التي تثبت أن برنامج "الاتجاه المعاكس" ليس إلا مرآة لازدواجية أخلاقية مقيتة.

من المثير للسخرية، بل ومن مضحكات القدر المبكية، أن نرى فيصل القاسم يتقمص دور جيفارا العرب حين يتحدث عن الثورات والحرية وكسر قيود الدكتاتوريات، لكنه في اللحظة التي يتعلق فيها الأمر بالشعب الكوردي، يخلع ثوب الثورة ليرتدي بذلة عريف المخابرات في مخابرات الأنظمة القمعية، هذا التناقض الصارخ ليس مجرد زلة لسان، بل هو "حمق" بنيوي يمنعه من إدراك أن الحرية لا تُجزأ، وأن من يبارك القمع ضد الكورد بحجة "الأمن القومي" أو "وحدة التراب" هو ذاته من يمنح الشرعية للدكتاتوريات التي يدعي محاربتها.

وعن أي بطولة يتحدث فيصل القاسم وهو يتجاهل حقائق التاريخ القريب؟ ففي عام 2014، حين اجتاح ارهاب داعش الأسود المنطقة، رأينا كيف تهاوت مدن وقرى بأكملها، وكيف ترك الكثيرون أرضهم وسلاحهم وفروا أمام ذباحي التنظيم الارهابي، في تلك اللحظة المصيرية، لم يقف في وجه هذا السواد إلا المقاتل والمقاتلة الكوردية. الكورد لم يدافعوا عن مناطقهم فحسب، بل بذلوا دماءهم لحماية أرض العرب ايضاً في سوريا والعراق، طهروا القرى العربية التي استباحها الإرهاب في وقت كان فيه أصحاب تلك الأرض قد هربوا واستسلموا للواقع.

يا لها من مفارقة مأساوية؛ أن يدافع الكوردي عن جاره العربي، ويحرر منزله من دنس الدواعش، ليكون الرد اليوم هو خنجر الغدر في الظهر! هؤلاء الذين حرر الكورد أراضيهم، نراهم اليوم ينضوون تحت رايات ميليشيات وفصائل وعصابات تحت مسمى الجيش السوري، ويأتون بكل وقاحة لقتال الكورد واحتلال مدنهم، ويفرضون حصاراً على المدن الكوردية مثل كوباني التي تعاني منذ ايام اوضاعاً انسانية مأساوية، ادت الى وفاة خمسة اطفال من البرد.

هذا الحقد هو الذي يغذي ممارسات المرتزقة على الأرض، من رمي جثة المقاتلة الكوردية الطاهرة من فوق المباني، إلى جريمة قص الضفيرة المقدسة لمقاتلة كوردية، ووصف المقاتلة الكوردية بالمجرمة بكل وقاحة، في محاولة بائسة لكسر إرادة شعب يقدس كرامة المرأة. إن صمت القاسم عن هذه الجرائم، بل وشرعنتها، يجعله شريكاً معنوياً في كل قطرة دم سُفكت.

إن إصرار فيصل القاسم على تصوير الكورد كبيادق هو استعباط متعمد، فالقضية الكوردية هي ميزان الأخلاق، فمن يبارك قمعهم هو ذاته من يمنح الشرعية للدكتاتوريات، وأمام هذا الانحدار الاخلاقي الذي يعاني منه منذ سنوات، اريد ان اذكره بمقولة شكسبير: "لك الحق أن تعيش كلباً، ولكن ليس لك الحق أن تزعجنا بنباحك".

الكورد اليوم، بدماء مقاتليهم ومقاتلاتهم الاشداء التي رويت بها أرضهم، تجاوزوا مرحلة الرد على الصغار، فليستمر القاسم في نباحه، فالتاريخ يكتب من صمد في وجه الدواعش وحمى الأرض، لا المهرجون الذين يبيعون الكلام لمن يدفع أكثر.

في الحرب، الكوردي هو الصخرة التي يتحطم عليها المستحيل، مقاتلٌ لا يعرف الالتفات إلى الوراء، يستمد ثباته من جذور جباله، وليسوا مجرد حملة سلاح، بل هم عقيدة قتالية تمشي على الأرض، واجهوا أعتى آلات القتل بصدور عارية، وأثبتوا للعالم أن إرادة الحرية أقوى من أزيز الرصاص. 

أما في السلم، فالكوردي هو حارس الجمال وباني الحياة، تتبدل قبضة اليد الشديدة على الزناد، إلى لمسة حانية تزرع الأرض وتبني المدن، هم أهل كرمٍ يفيض، ولينٍ يأسر القلوب، وقيم إنسانية تحترم الآخر وتفتح الأبواب للسلام. إنهم باختصار: أشداء في الحق كأنهم قمم الجبال، وبسطاء في السلم كأنهم نسيم الوديان.