مسرور بارزاني يفرض واقعاً جديداً.. أربيل رقماً صعباً في أمن الطاقة العالمي

مسرور بارزاني يفرض واقعاً جديداً.. أربيل رقماً صعباً في أمن الطاقة العالمي
مسرور بارزاني يفرض واقعاً جديداً.. أربيل رقماً صعباً في أمن الطاقة العالمي

من الواضح أن الحسابات في بغداد كانت مبنية على تقدير واحد: أن الضغط الاقتصادي المتواصل سيوصل أربيل، عاجلاً أم آجلاً، إلى لحظة الاستسلام. لكن الساعات الأخيرة أثبتت أن من يراهن على "انكسار" إقليم كوردستان لا يقرأ التاريخ جيداً، والأهم من ذلك، لا يفهم عقلية مسرور بارزاني في إدارة الأزمات.

لسنوات طويلة، تم التعامل مع ملف النفط كأداة "ابتزاز" سياسي مغلفة بمسوغات فنية وقانونية. لكن قرار رئيس حكومة الإقليم أمس بالسماح باستئناف التصدير لم يكن خطوة للوراء كما حاول البعض تصويرها، بل كان هجوماً مضاداً في غاية الذكاء. ببساطة، مسرور بارزاني وضع الجميع أمام مسؤولياتهم؛ رمى الكرة في ملعب الحكومة الاتحادية والمجتمع الدولي، وبمنطق أخلاقي بسيط: "نحن فعلنا ما علينا من أجل قوت المواطن، الآن الدور عليكم".

ما يثير الانتباه فعلاً ليس فقط المبادرة النفطية، بل التوقيت "الجراحي" لاتصال توم باراك، مبعوث الرئيس الأمريكي ترامب. هذا الاتصال ليس مجرد مجاملة بروتوكولية، بل هو رسالة سياسية بوزن ثقيل مفادها أن واشنطن ترى في أربيل شريكاً استراتيجياً لا يمكن تجاوزه، خصوصاً مع عودة منطق "الحليف الموثوق" الذي تمثله قيادة الإقليم. هذه "الحصانة الدولية" هي التي سقطت عندها رهانات القوى التي ظنت أن الإقليم صار وحيداً في مواجهة العاصفة.

الذكاء هنا تجاوز "برميل النفط" إلى ما هو أبعد. حين ربط بارزاني نفط كوردستان بأمن الطاقة العالمي، وكونه البديل الجاهز في حال تعطلت الملاحة في مضيق هرمز، كان يرفع سقف التفاوض من خلاف محلي إلى حاجة دولية. هو يقول للعالم: أمن حقولنا ليس شأناً كوردياً فقط، بل هو رئة للاقتصاد العراقي والدولي، وأي استهداف لها هو طعنة في ظهر الجميع.

وحتى في القضايا الفنية الشائكة، مثل نظام "الأسيكودا" الجمركي، كان موقف بارزاني واضحاً؛ هو مع التطور، لكنه ضد "التجويع الإداري". انحيازه لحق التجار والمواطنين في الوصول للغذاء والدواء يعكس رؤية ترى في "كرامة الإنسان" أولوية تفوق أي نص دستوري جامد يُستخدم كذريعة للتضييق.

المطالبة بوجود ضمانة أمريكية لأي اتفاق مستقبلي هي "زبدة" الكلام. بارزاني يدرك أن الالتزامات في بغداد قد تذوب سريعاً تحت ضغط الميليشيات أو التجاذبات، لذا هو يبحث عن عقد دولي متين يربط مصالح الإقليم بموازين القوى الكبرى.

في المحصلة، أثبت مسرور بارزاني أن لديه "نفس طويل" وصلابة تشبه جبال كوردستان. لقد أدار المعركة بهدوء، وحول الحصار إلى فرصة لانتزاع اعتراف دولي جديد بمحورية دوره. الرسالة اليوم واضحة: من يريد استقرار العراق، عليه أن يمر عبر بوابة أربيل.. ومن يراهن على كسر إرادة كوردستان، عليه أن يعيد حساباته أمام منطق الجغرافيا وحقائق السياسة.