د. إبراهيم أحمد سمو
كاتب كوردي
إدريس البارزاني… القائد الذي بقي حيًّا في الذاكرة والوجدان
لم يُجبرنا أحد على أن نتذكركم، ايها القائد الشهيد ادريس البارزاني ولم يطلب منا أحد أن نكتب عنكم، كما لم نُكلَّف بذلك من أي جهة. غير أن الحاجة، وضرورة الوفاء للتاريخ، والشعور بالمسؤولية تجاه الذاكرة الجماعية، هي ما دفعتنا لأن نكتب عن قائدٍ سمعنا باسمه منذ الطفولة، وتربينا على ذكره قبل أن نعي معنى القيادة والنضال.
كبرنا ونحن نسمع عن إدريس البارزاني، عن سخائه وكرمه، عن ثقافته الواسعة، وعن احترامه للشعر والقلم، وعن إيمانه العميق بقيمة الكلمة الصادقة. سمعنا عنه كيف كان داعمًا للپيشمهرگه والكوادر الوطنية دون تمييز، لا يفرّق بين هذا وذاك، بل كان ينظر إلى الجميع بعين الإنسان قبل أن ينظر إليهم بعين القائد.
سمعنا أنه دفع بالكثيرين نحو النجاح، وآمن بالطاقات الشابة، وفتح الأبواب أمام من يستحق. امتاز بالحنكة السياسية، وكان رجل علاقات ومفاوضات بامتياز، يعرف متى يتقدم ومتى يتراجع، ومتى يكون الصمت أبلغ من الكلام. لم يكن القائد الذي يرفع صوته، بل الذي تُسمع كلمته لأنها نابعة من عقل راجح وقلب صادق.
إدريس البارزاني لم يكن مجرد اسم في تاريخ الحركة الكوردية، بل كان مدرسة قائمة بذاتها. من جلس معه أو عمل إلى جانبه، كان يشعر وكأنه تخرج من كلية عليا، تعلم فيها الأبجدية الإنسانية قبل السياسية، والقيادية قبل التنظيمية. كان بسيطًا في تعامله، متواضعًا في قيادته، قريبًا من الناس، يشبههم ويشعر بآلامهم وآمالهم.
ويصادف غدًا مرور تسعةٍ وثلاثين عامًا، كأنها تسعٌ وثلاثون دقيقة.مع مرور السنوات وتعاقب الأعوام، ورغم أنها حقبة زمنية كبيرة، إلا أن حضوره لا يزال كأنه الأمس القريب. كأننا ما زلنا نراه بيننا، يرشدنا ويوجهنا، وما زالت كلماته ودروسه في النضال حيّة، تنتقل عبر من عاشوا معه، فوصلت إلينا بأمانة وصدق.
نكتب اليوم عنه، رغم أن الحظ لم يسعفنا لنكون إلى جانبه في سنوات عمره، لكننا ننتمي إلى أثره، وإلى ما زرعه من قيم ومبادئ. لقد أخذ الله أمانته سريعًا، في وقتٍ كان فيه الشعب بأكمله بحاجة إلى وجوده، غير أن هذا هو قدر الله. عاش عمرًا قصيرًا نسبيًا، لكنه قدّم فيه الكثير، وترك أثرًا لا يُمحى.
ظل إدريس البارزاني حيًّا في قلوب الشعب، وسيظل إلى الأبد، لأن الشهداء خالدون. ونادرًا ما يرحل قائد ويبقى الشعب متعلقًا به بهذا الشكل، إلا أن هذا القائد، وبعد استشهاده، ازداد بريقه ولم يخفت. لا يمر يوم دون أن يُذكر اسمه، حتى صار جزءًا من أي فاتحة تُقرأ على أرواح الشهداء، وهذا بحد ذاته شرف لا يناله كل من تسلّم زمام القيادة في زمن أو مكان معين.
لقد قدّم الكثير للأمة، وكان أحد مهندسي مشروع الحكم الذاتي، والدعامة الأولى في مفاوضات عام 1970، حيث لعب دورًا محوريًا بحكمته وبعد نظره، وإيمانه بحقوق شعبه، وسعيه الدائم لإيجاد حلول تحفظ الكرامة وتؤسس للمستقبل.
وفي هذه المناسبة، مناسبة وفاته التي تصادف غدًا، نقف إجلالًا واحترامًا، ونكنّ له كل الحب والتقدير. نستذكره لا بالحزن فقط، بل بالفخر، ونمضي على الطريق الذي اختاره، طريق النضال المسؤول، والعمل الصادق، والإيمان بالإنسان.
وعلى طريقته… نحن ذاهبون.