من الحسكة إلى أربيل: تأملات في معاناة وجمال وأخلاق الشعب الكوردي
يتابع كثيرون ما يحدث لكورد سوريا بشيء من الاهتمام، وبخاصة ممن زاروا أربيل، أو ممن لهم صداقات وعلاقات وثيقة بأهل كوردستان، منهم المنتج الفني ومدير إدارة الإنتاج بأفلام مصر العالمية "يوسف شاهين وشركاه"، ومدير عام الإنتاج بشركة الباتروس، ومدير عام الإنتاج بشركة ميلودي سابقًا، محمد المغربي، مستشار الاتحاد العام للفنانين العرب للمشروعات والمبادرات الفنية، ومحاضر لمادة الإنتاج السينمائي في عدد من الأكاديميات الخاصة.
يرى "المغربي" أن هناك معاداة واضحة لفكرة أن يعيش الكورد في سلام، وأن تجمعهم وحدة واحدة، ووطن واحد، وهوية واحدة، وأن تستقر أوضاعهم، ولكن تاريخهم وجذورهم القوية تؤهلهم لوطن واحد. وكل مبادرة لوقف الاعتداءات على كرد سوريا تسعدني، ومن ثم تابعت المبادرات الأخيرة، وأتمنى أن تكون نهاية لخلافات لا أساس لها غير التدخل الأجنبي السافر في شؤون الكورد.
زرت كوردستان، وتربطني بأهلها علاقات قوية، وشاهدت تفاصيل مبهرة، وعوالم جعلتني أفخر بأنني محب لهذا البلد الجميل.
فما بين الحسكة وأربيل تمتد مسافة جغرافية، لكنها في الوجدان مسافة من الأسئلة الكبرى: سؤال الهوية، والعدالة، وحق الشعوب في التعليم واللغة والعيش الكريم. هذه ليست رحلة سياحية بقدر ما هي تأملات في مصير شعبٍ عرف التهميش كما عرف الصمود، وعرف الجرح كما عرف القدرة على تحويله إلى معنى وحياة.
مدير إنتاج فني ومستشار الفنانين العرب
التهميش بوصفه سياسة لا قدرًا في مناطق الكورد بسوريا — كوباني، الحسكة، وأطراف من دير الزور — لم يكن التهميش حادثًا عابرًا، بل سياسة طويلة الأمد.
تهميش طال الهوية قبل الاقتصاد، واللغة قبل الخدمات، والتعليم قبل التنمية. أجيال كبرت وهي تشعر أن اسمها ولهجتها وتاريخها خارج السرد الرسمي، وأن المدرسة لا تعكس صورتها كاملة، وأن الاعتراف مؤجل دائمًا.
هذا التهميش لم يُنتج فقرًا ماديًا فقط، بل فقرًا رمزيًا: إحساسًا بالغياب داخل الوطن. ومع ذلك، ظل المجتمع حيًّا بثقافته، بأغانيه الشعبية، بحكاياته، وبإصراره على البقاء.
الحكم الذاتي قد يصبح ضرورة
لا يمكن مقاربة هذه المعاناة دون طرح سؤال الحكم الذاتي تحت مظلة الدولة السورية. التجربة الكوردية في العراق — إقليم كوردستان — تقدّم نموذجًا قابلًا للنقاش: اعتراف دستوري، إدارة محلية، حماية للغة والتعليم، وتنمية اقتصادية نسبية، كل ذلك مع بقاء الإقليم ضمن دولة واحدة.
الفكرة هنا ليست الانفصال، بل الإدارة الرشيدة للتنوع. فالحكم الفدرالي ليس تهديدًا لوحدة الدول بقدر ما هو ضمانة لها حين يُبنى على عقد اجتماعي عادل، يعترف بالاختلاف ويحوّله إلى طاقة بناء لا إلى سبب صراع.
تاريخ لمدينة تنشر عبقها إلى العالم
من الحسكة إلى أربيل — يتحوّل الإحساس. حين تصل إلى أربيل يتبدّل الإحساس، المدينة تحمل تاريخها على كتفيها بثقة: القلعة، السوق، ميدان النافورة، ومدى التطور العمراني الحديث كما في إمباير، والوجوه الساحرة التي تستقبلك بابتسامة بلا حساب. هنا تشعر أن الهوية ليست عبئًا، بل مصدر فخر هادئ.
في سوق القلعة، تختلط الروائح بالحكايات، وتدرك أن المدن لا تُبنى بالحجر فقط، بل بالذاكرة. وفي ميدان النافورة، ترى الحياة اليومية وهي تمضي بلا توتر، كأن الناس تصالحوا مع اختلافهم وتعلّموا أن يديروه بمحبة.
تعايش طوائف وديانات
كرم الناس وتعدّدهم. ما لفت انتباهي في أربيل ليس العمران وحده، بل الإنسان. كرم الاستضافة ليس طقسًا اجتماعيًا، بل سلوكًا طبيعيًا. تعايش الطوائف والديانات المختلفة ليس شعارًا، بل ممارسة يومية: مساجد، وأماكن عبادة لطوائف أخرى، وكنائس، ولهجات متعددة، ومائدة واحدة. هذا التعايش لا يلغي الاختلاف، بل يحتضنه. وربما هنا يكمن الدرس الأكبر: أن الأخلاق العامة — حين تُصان — تصبح أقوى من كل الانقسامات.
ذاكرة شعب وأمة في متحف الملا
في متحف الملا مصطفى بارزاني — ذاكرة الكفاح — زيارة المتحف ليست زيارة لمكان، بل للمعنى. صور ووثائق تحكي عن شعبٍ أراد الحياة، ودفع ثمنها كفاحًا طويلًا. هناك تدرك أن الحرية ليست هدية، وأن الاعتراف لا يأتي بلا صبر وتنظيم ورؤية.
من الحسكة إلى أربيل، تتكشف الحكاية كاملة: معاناة سببها التهميش، وأمل تصنعه الإرادة. الشعب الكوردي — بجماله وأخلاقه — يقدّم نموذجًا لما يمكن أن تكون عليه المجتمعات حين تُمنح حقها في الهوية والتعليم والإدارة، وحين يُترك لها أن تعيش اختلافها بسلام. هذه ليست دعوة للانقسام، بل نداء للعدالة. فالعدالة وحدها هي الطريق الأقصر من الألم إلى الجمال، ومن التهميش إلى الحياة.