د. إبراهيم أحمد سمو
كاتب كوردي
من دافوس إلى دبي: كوردستان على منصات التأثير العالمي
منذ الساعات الأولى لانطلاق الفعاليات الدولية الكبرى، تسلّطت الأضواء بشكل لافت على الحضور البهي لوفد حكومة إقليم كوردستان برئاسة السيد مسرور بارزاني، رئيس حكومة الإقليم، سواء في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي أو في القمة العالمية للحكومات في دبي. ولم يكن هذا الحضور عادياً أو بروتوكولياً فحسب، بل حمل دلالات سياسية ورمزية عميقة، جسّدها الاستقبال الرسمي، وظهور علم كوردستان خلف رئيس الحكومة في الحوارات الرسمية وعلى الشاشات الإعلامية العالمية، في مشهد يؤكد أن الإقليم بات جزءاً لا يتجزأ من الخارطة السياسية والرقمية الجديدة للعالم.
إن المشاركة الكوردستانية في هذه المحافل الدولية تثبت، بواقع الحال لا بالشعارات، أن حكومة إقليم كوردستان أصبحت فاعلاً معترفاً به في فضاءات الحوكمة العالمية وصناعة التحولات، لا مجرد باحث عن فرص استثمارية أو شريك اقتصادي ثانوي. فالحضور في دافوس، بما يمثله من ثقل اقتصادي وسياسي، ثم الانتقال بعد أيام معدودات إلى دبي، بوصفها منصة عالمية لصناعة سياسات المستقبل، يعكس رؤية متكاملة تسعى من خلالها حكومة الإقليم إلى ترسيخ مكانتها في نظام دولي متحوّل.
وقد جاءت مشاركة دافوس في توقيت بالغ الحساسية، تزامن مع أحداث إقليمية كادت أن تتجه نحو مسارات كارثية، لولا حنكة القيادة الكوردستانية، وفي مقدمتها السيد مسرور بارزاني، والدبلوماسية النشطة التي انتهجتها حكومة الإقليم. فبدلاً من أن تقتصر المشاركة على توقيع الاتفاقيات الاقتصادية والبحث عن فرص الاستثمار، تحوّل وجود رئيس الحكومة في دافوس إلى مسار آخر أكثر إلحاحاً وتأثيراً، حيث تصدّرت القضية الكوردستانية، إلى جانب تطورات الوضع في سوريا وروژآڤا، أجندة اللقاءات الثنائية والمؤتمرات الصحفية.
عندما تتعرض القضايا المصيرية للتهديد، تصبح بطبيعتها محور الاهتمام الأول. وهنا، لعبت القيادة الكوردستانية أدواراً متكاملة ومتوازية؛ ففي الداخل، شهد الإقليم حراكاً شعبياً وموجات تضامن ومساعدات واسعة، بينما كانت القيادة السياسية في الخارج تتحرك على أكثر من خط. فالرئيس مسعود بارزاني، بصفته المرجعية التاريخية والوطنية، ثبّت الموقف الكوردستاني ووحّد الكلمة والعلم عبر خطاب جامع انعكس صداه في الشارع الكوردستاني. وفي الوقت نفسه، أجرى رئيس الإقليم نيجرفان بارزاني سلسلة اتصالات إقليمية ودولية مكثفة، أثمرت نتائج ملموسة بشهادة الخصوم قبل الأصدقاء، وفتحت خطوط تواصل حساسة مع القوى الكبرى.
وفي قلب هذا المثلث القيادي، كان السيد مسرور بارزاني حاضراً بقوة في دافوس، لا يدع لقاءً أو مناسبة أو منصة حوار إلا ويستثمرها لإبراز أبعاد الكارثة الإنسانية والسياسية في روژآڤا، والدفاع عن حقوق الشعب الكوردي، وتحويل المنبر الاقتصادي العالمي إلى مساحة دائمة لطرح القضية الكوردستانية. وقد شكّل هذا الحضور الإعلامي والسياسي المكثف ضغطاً ناعماً لكنه فعّال، أسهم في إعادة تسليط الضوء الدولي على القضية، وجعل مشاركة رئيس الحكومة بحد ذاتها مساهمة سياسية كبيرة، لا تقل أهمية عن أي اتفاق اقتصادي.
واليوم، تتواصل هذه الديناميكية من خلال المشاركة الفاعلة في القمة العالمية للحكومات في دبي، بدعوة رسمية عكست مستوى الاهتمام الدولي بحكومة إقليم كوردستان. فدبي، كنموذج ثانٍ مكمّل لدافوس، تمثل مختبراً عالمياً لأفكار الحوكمة، والتحول الرقمي، وصناعة السياسات المستقبلية. وحضور رئيس حكومة الإقليم في هذا المحفل لا يندرج في إطار المجاملة الدبلوماسية، بل يؤكد أن كوردستان باتت تُقدَّم بوصفها تجربة سياسية وإدارية تسعى إلى التفاعل مع العالم، وتقديم نفسها كشريك في النقاشات الكبرى حول مستقبل الحكومات.
إن هذه المشاركات، في دافوس ودبي، ليست مجرد إضافات شكلية إلى سجل النشاط الخارجي لحكومة الإقليم، بل هي تعبير عن مهارات سياسية ودبلوماسية متراكمة، تسهم في ترسيخ اسم حكومة إقليم كوردستان أكثر فأكثر في المحافل الدولية. وهي في جوهرها رسالة واضحة مفادها أن كوردستان لم تعد على هامش التحولات العالمية، بل أصبحت حاضرة في قلبها، مدافعة عن قضيتها، ومساهمة في رسم ملامح المستقبل.