ڤینوس بابان
كاتبة صحفية
ملا مصطفى بارزاني.. حصانة الرمز في وجه الغوغائية: كيف يحمي الوفاء للتاريخ مستقبل الشعوب؟
في الفلسفة السياسية الحديثة، لا تُبنى الدول ولا تُستدام الكيانات بمجرد الخطط الاقتصادية أو القوة العسكرية الصرفة، بل ترتكز في جوهرها على ما يُسمى الرأسمال الرمزي. هذا الرأسمال هو الذي يمنح الشعوب هويتها، ويمنح المؤسسات شرعيتها، وفي مقدمة هذا الرأسمال تأتي الرموز الوطنية التاريخية. وتبرز تجربة إقليم كوردستان العراق كنموذج ريادي في الشرق الأوسط، استطاع تحويل النضال الميداني إلى منظومة رمزية وقانونية متكاملة، يتمحور قطبها حول شخصية الزعيم الراحل ملا مصطفى بارزاني الرجل الذي تجاوز كونه قائداً عسكرياً ليصبح الروح الجامعة لأمة واجهت شتى محاولات الإلغاء والتهميش.
أولاً: شرعية الرمز ومأسسة الوفاء
إن عظمة القادة لا تُقاس بما حققوه في حياتهم فحسب، بل بما تركه نهجهم من أثر ممتد بعد رحيلهم. لقد أدرك إقليم كوردستان، قيادةً وشعباً، أن حماية المنجزات السياسية تبدأ بضرورة حماية الذاكرة الوطنية. ومن هنا، لم تكتفِ المؤسسات الكوردية بالتقدير الوجداني لبارزاني الخالد، بل عمدت إلى مأسسة هذه الرمزية وتحويلها إلى ركيزة دستورية.
عندما صاغ برلمان إقليم كوردستان تشريعاته التي تعتبر ملا مصطفى بارزاني المرجع الوطني والروحي لكوردستان (بابی نتهوهیی)، فإنه لم يكن بصدد بروتوكول تكريمي شخصي، بل كان يضع اللبنة الأولى في دستور الكرامة. إن تحويل يوم ميلاده إلى مناسبة وطنية، وتأسيس صرح بارزاني الوطني كمزار دبلوماسي، هو رسالة للعالم أجمع بأن القضية الكوردية ليست وليدة صدفة جيوسياسية، بل هي نتاج نضال ممتد قاده رجل جسّد بزيّه التقليدي وصلابة إرادته طموح شعب بأسره. هذا التكريس القانوني هو الذي يجعل من الرمزية الكوردية اليوم عصية على الاختراق، ومحمية بقوة التشريع والإجماع الشعبي.
ثانياً: من خنادق البيشمركة إلى أروقة الدبلوماسية
اتسم نهج ملا مصطفى بارزاني بعبقرية الربط بين بندقية المقاتل وحكمة المفاوض. فمن ثورة أيلول العظيمة إلى اتفاقية الحادي عشر من آذار عام 1970، استطاع بارزاني أن يفرض واقعاً جديداً في الشرق الأوسط، مجبراً أقوى الأنظمة حينها على الاعتراف بالحقوق القومية للكورد في أول وثيقة قانونية رسمية تعترف بكيانهم وحقوقهم الإدارية والسياسية.
هذه الكاريزما الفطرية الرفيعة التي التفت حولها الجماهير لم تكن نتاج شعارات عاطفية مؤقتة، بل كانت مبنية على عقد ثقة غليظ بين القائد والقاعدة. فقد كان بارزاني يمثل البيشمركة الأول، وهو ما خلق رابطاً وجدانياً عميقاً جعل من اسمه مرادفاً للحرية والانعتاق. واليوم، نرى امتداد هذا النهج في القيادة الرشيدة للرئيس مسعود بارزاني، الذي استطاع في أحلك الظروف الحفاظ على هذه الرمزية كبوصلة للوحدة الوطنية، محولاً التحديات الإقليمية إلى فرص لترسيخ مكانة الإقليم كلاعب أساسي فاعل يُحترم صوته في المحافل الدولية.
ثالثاً: الغوغائية كخطر وجودي واستهداف الرموز
في العصر الرقمي الحديث، برزت الغوغائية السياسية كأداة هدم عابرة للحدود، تهدف إلى إضعاف المجتمعات عبر استهداف ثوابتها ونقض رموزها. إن المحاولات الإعلامية الممنهجة التي تحاول النيل من صورة الرموز الوطنية الكوردية ليست مجرد هفوات أو زلات مهنية، بل هي أدوات مشبوهة في حرب نفسية تهدف لتقويض الإجماع الوطني وتمزيق وحدة الصف الداخلي. إن الدفاع عن رمزية بارزاني الخالد هو في جوهره دفاع عن السيادة الوطنية. فكما تُحترم الأعلام والنشيد الوطني، تُحترم الرموز التي بذلت دماءها لتكون هذه المكتسبات موجودة. والوعي الذي يبديه شعب كوردستان اليوم في التصدي لهذه المحاولات يثبت أن النهج البارزاني قد تغلغل في الوعي الجمعي، ليصبح حصناً منيعاً ضد التضليل. فالمجتمع الذي لا يحمي رموزه، يسهل استلاب مستقبله وتحويله إلى ساحة للصراعات الجانبية التي لا تخدم إلا المتربصين به.
رابعاً: روجآفا والقيادة العابرة للجغرافيا
لقد قدمت الأحداث الأخيرة وتفاعل القيادة الكوردية معها درساً بليغاً في دبلوماسية الوحدة. فبقيادة الرئيس مسعود بارزاني، أثبت الكورد أنهم جسد واحد مهما تباعدت الجغرافيا السياسية المصطنعة. هذه القدرة على توجيه الطاقات وحفظ الوحدة القومية هي الثمرة الحقيقية لرمزية بارزاني التي لم تعترف يوماً بالحدود التقسيمية. إنها قيادة رشيدة تعرف متى تتدخل بحكمة، ومتى تقود الحشود بالمنطق، ومتى تحمي المكتسبات بالهيبة الدولية التي بناها الزعيم الراحل عبر عقود من الكفاح المرير، مؤكدة أن الرمزية القوية هي التي تحول الأزمات العاصفة إلى ملاحم صمود أسطورية.
خامساً: رسالة إلى الشركاء.. الرمزية الوطنية كضمانة للعيش المشترك
إن الدرس المستفاد من تجربة إقليم كوردستان في صون رموزه ليس محصوراً في إطار قومي، بل هو رسالة مفتوحة لكل المكونات والأطياف في العراق والمنطقة. إن القوة الرمزية التي يمثلها الزعيم ملا مصطفى بارزاني تتجاوز حدود الجغرافيا لتصبح مثالاً ملهماً لكل من ناضل ضد الظلم والاضطهاد والتعسف. والرسالة هنا واضحة وصريحة: إن الهجوم على الرموز التاريخية لأي مكون هو هجوم على كرامة النسيج الوطني بأسره. عندما نؤصل لثقافة احترام الرموز، فنحن نحمي السلم الأهلي من التآكل. فالمجتمع الذي يسمح باستهداف الرموز الوطنية لمكون ما اليوم، يفتح الباب لاستباحة رموزه ومقدساته غداً. لذا، فإن الدفاع عن مكانة بارزاني الخالد هو دفاع عن قيمة الشراكة الحقيقية واحترام الآخر، وهو السبيل الوحيد لبناء دولة متماسكة تحترم تنوعها وتعتبره مصدر قوة لا ثغرة تتسلل منها الفتن.
سادساً: الوحدة كرافعة للازدهار الاقتصادي والسياسي
لا يمكن فصل الاستقرار الرمزي عن النجاح المادي والنهضوي. إن ما يشهده إقليم كوردستان من ثورة عمرانية، وتطور في البنية التحتية، وجذب للاستثمارات الأجنبية، هو نتاج مباشر لحالة الاستقرار التي توفرها القيادة الواحدة والرمزية الموحدة. فالمستثمر والعالم الخارجي يبحثون دائماً عن البيئة السياسية الواضحة والمتماسكة، وهذا الوضوح يوفره إقليم يحترم تاريخه، ويؤمن بقيادته، ويسير وفق رؤية استراتيجية لا تتأثر بمهاترات السياسة الضيقة. إن القوة الحقيقية للأمم تأتي من تلاحم القيادة مع الشعب تحت مظلة رمزية وطنية جامعة ومانعة.
الخاتمة: الرمزية هي العنوان والوفاء هو الطريق
ختاماً، إن ملا مصطفى بارزاني لم يعد مجرد اسم في سجلات تاريخ الكورد، بل هو العنوان الدائم للنهضة الكوردية والركيزة الصلبة التي يستند إليها استقرار المنطقة برمتها. إن احترام هذا الرمز هو في الحقيقة احترام لقيم العدالة، والكرامة، والتعايش السلمي الذي طالما نادى به وناضل من أجله.وعلى كل مؤسسة إعلامية أو جهة سياسية ترفع شعار الحرية أن تدرك أن الرموز الوطنية خط أحمر سيادي؛ ليس بدافع التقديس الشخصي، بل لأنها تمثل إرادة الجماعة وجوهر هويتها. إن حماية صورة الزعيم الخالد هي وفاء لتضحيات آلاف الشهداء، وضمانة أكيدة لبقاء إقليم كوردستان منارةً للتقدم والأمان. سيبقى نهج بارزاني هو المسار، وستبقى القيادة الرشيدة التي تسير على دربه هي الملاذ والضمانة، فمن يمتلك مثل هذا التاريخ وهذا الوفاء، لا يعرف طريقاً غير النصر والسيادة الدائمة.