ڤینوس بابان
كاتبة صحفية
استراتيجية السيد مسرور بارزاني لتحويل الاستحقاق الدستوري إلى واقعٍ رقميٍ مصان
في ظل مناخٍ إقليمي تتقاذفه أمواج التحولات الكبرى وفي توقيتٍ دوليٍ حساسٍ تعيد فيه القوى صياغة توازناتها جاء اجتماع مجلس وزراء إقليم كوردستان برئاسة السيد مسرور بارزاني في الحادي عشر من شباط عام 2026 ليقدم نموذجاً متقدماً في دبلوماسية الدولة وبُعد النظر السياسي. إن القراءة المتأنية لمخرجات هذا الاجتماع تكشف عن فلسفة قيادية لا تكتفي بردّ الفعل بل تصنع الفعل الاستباقي لتحصين الكيان الدستوري للإقليم وضمان حقوق مواطنيه عبر لغةٍ لا تعرف التأويل هي لغة الأرقام والوثائق التي لا تقبل القسمة على السياسة.
يتجلى ذكاء السيد مسرور بارزاني في اختيار هذا التوقيت الدقيق لطرح ملف التعداد السكاني. فبينما تنشغل الدوائر الفنية والسياسية في بغداد برسم جداول موازنة عام 2026 وتحديد مسارات الإنفاق تحركت أربيل بقيادته لترسيخ حقيقة نسبة 14.1% كقاعدة بيانات وطنية غير قابلة للمساومة أو الالتفاف. إن هذا التحرك يعكس بُعد نظر استراتيجي إذ يدرك السيد مسرور بارزاني أن تثبيت الحق الرقمي في هذه اللحظة المفصلية يمنع تحول التقديرات التخمينية أو الحسابات المسيسة إلى واقع قانوني مفروض بمرور الزمن.
إنها خطوة استباقية تتجاوز الحسابات الآنية لتحمي الأجيال القادمة من تبعات الارتجال السياسي وتضمن تدفق الاستحقاقات المالية وفق الواقع الديموغرافي الفعلي بعيداً عن سياسة ليّ الأذرع أو التقديرات الظرفية التي كانت تُستخدم كأوراق ضغط في الأزمات السابقة.
لقد نجح السيد مسرور بارزاني في تحويل نتائج التعداد السكاني من مجرد إجراء فني إحصائي إلى ركيزة سيادية كبرى في منظومة العلاقة الاتحادية. ومن خلال الرفض القاطع لأي تلاعب أو انتقاص من النسب السكانية من قبل الجهات الاتحادية يرسّخ السيد مسرور بارزاني مبدأً جديداً في إدارة العلاقة مع المركز الشرعية الرقمية.
هذه المقاربة الهادئة في طرحها والحاسمة في جوهرها تضع مؤسسات الدولة الاتحادية أمام مسؤوليتها التاريخية والقانونية فاحترام نتائج التعداد ليس مجرد إجراء إداري بل هو احترام لهيبة الدولة وعقدها الدستوري المبرم بين المكونات. وبدلاً من الانجرار إلى سجالات سياسية عقيمة اختار السيد مسرور بارزاني لغة المؤسسات والبيانات معززاً صورة الإقليم كشريك دستوري منضبط يطالب بالعدالة تحت سقف القانون ويجعل من الرقم حائط صدٍ منيع ضد محاولات التهميش المالي أو الإداري.
الربط العضوي الذي أجراه السيد مسرور بارزاني بين حقوق السجناء والمعتقلين السياسيين وبين المادة (132) من الدستور الدائم يمثل ذروة الحنكة القانونية والوفاء القومي. فهو هنا لا يطالب بامتيازات عابرة بل يؤسس لاعتراف سيادي وشامل بأن تضحيات شعب كوردستان ومعاناته ليست شأناً محلياً بل هي جزء أصيل من الشرعية الدستورية والوجودية للعراق الجديد.
وبهذا الطرح الشجاع تتحول القضية من مطلب فئوي إلى التزام دستوري اتحادي ملزم وتندمج حقوق ضحايا الإقليم ضمن منظومة العدالة الوطنية الشاملة. إنها رؤية قائد يعمل بمنطق الدولة الراعية التي لا تميز بين ضحاياها حيث يُلزم السيد مسرور بارزاني بغداد بالنظر إلى الحقوق الكوردستانية باعتبارها ديناً دستورياً وواجباً أخلاقياً لا يقبل التأجيل أو المقايضة تحت أي ظرف كان.
ما يميز استراتيجية السيد مسرور بارزاني في عام 2026 هو الانتقال الفعلي نحو مأسسة الاستحقاق. فلم يعد الخطاب الكوردستاني يعتمد على المطالبات العاطفية فحسب بل استند إلى ركائز تقنية وقانونية صلبة بفضل توجيهاته. هذا التحول يعكس رغبة أربيل في بناء علاقة ندية دستورية تقوم على الوضوح التام حيث الأرقام هي التي تتحدث والقانون هو الذي يحكم والمواطنة هي المعيار. إن إصرار السيد مسرور بارزاني على نسبة الـ 14.1% هو في حقيقته إصرار على تأمين الخبز والخدمات والفرص لكل مواطن في الإقليم وهو تحويل للسياسة من فن الممكن إلى علم اليقين.
إن مخرجات اجتماع الحادي عشر من شباط لعام 2026 لم تكن مجرد قرارات إدارية أو بروتوكولية عابرة بل هي إعلانٌ صريح عن مرحلة جديدة من النضج السياسي والسيادي الذي يقوده السيد مسرور بارزاني مرحلةٌ تنتقل فيها العلاقة بين أربيل وبغداد من سياق السجالات السياسية المتغيرة بمهب الريح إلى رحاب الحقائق الرقمية الثابتة واليقين القانوني.
لقد أثبت رئيس حكومة الإقليم عبر هذا الحضور القوي أن الدفاع عن كيان كوردستان الدستوري لا يكون بالشعارات الرنانة بل بالركون إلى لغة المؤسسات الرصينة وإعلاء كلمة القانون فوق كل اعتبار. إن هذه الرؤية المتزنة تضع الدولة الاتحادية أمام اختبار حقيقي لتجسيد روح الشراكة الوطنية فاحترام الأرقام هو في جوهره احترامٌ لإرادة الشعب والتمسك بالدستور هو الضامن الوحيد والنهائي لاستقرار العراق وازدهاره. وهكذا يرسخ السيد مسرور بارزاني معادلةً تاريخية مفادها أن الحقوق المصانة بالأرقام والمحمية بظلال الدستور هي وحدها الكفيلة برسم ملامح مستقبلٍ آمن مستقر ومزدهر لجميع الأجيال القادمة.