حين يُستخدم الخبز كسلاح...كوردستان في قلب منطقة تُعاد صياغة توازناتها بلا رحمة

حين يُستخدم الخبز كسلاح...كوردستان في قلب منطقة تُعاد صياغة توازناتها بلا رحمة
حين يُستخدم الخبز كسلاح...كوردستان في قلب منطقة تُعاد صياغة توازناتها بلا رحمة

في منطقة تُعاد صياغة خرائط النفوذ فيها لا عبر الدبابات فقط، بل عبر المصارف، والموازنات، وسلاسل التوريد، لم يعد الخبز تفصيلاً معيشيًا، بل تحوّل إلى أداة سيادية. في هذا السياق القاسي، لا تقف كوردستان بوصفها إقليماً محلياً داخل العراق فحسب، بل كاختبارٍ سياسي وأخلاقي لنظام إقليمي يستخدم الاقتصاد كسلاح لإعادة ضبط توازناته.

ما يُمارَس ضد شعب الإقليم اليوم لا يمكن اختزاله في خلافات فنية حول النفط أو في تفسيرات انتقائية للدستور، بل هو نموذج واضح لسياسة العقاب الجماعي الاقتصادي. حين تُقطع رواتب الملايين، وتُخنق الخدمات، ويُستخدم القانون لتبرير الحصار، فإننا أمام انتهاك مباشر لحقوق الإنسان الاقتصادية، لا أمام نزاع إداري بين بغداد وأربيل.

العراق اليوم لا يعيش أزمة تشكيل حكومة فقط، بل أزمة تعريف للدولة نفسها. الضغوط الأميركية لتفكيك منظومات السلاح خارج الدولة، والمناورات الإيرانية للحفاظ على نفوذها، والانفتاح الخليجي والتركي الباحث عن استقرار اقتصادي، كلها تصطدم في بغداد.

في هذا المشهد، يقف العراق أمام ثلاثة مسارات:

إما دولة توازن، أو ساحة صراع بالوكالة، أو تفكك هادئ بلا سيادة حقيقية.

والمفارقة أن كوردستان، الأكثر استقرارًا داخل هذا الفضاء المتقلب، هي التي تُستهدف ماليًا بدل أن تُكافأ.

لماذا تُعاقَب كوردستان؟

لأنها أثبتت ما يُراد للمنطقة ألا تثبته:

أن الأمن ممكن،

أن الاستثمار ممكن،

أن الحكم الرشيد ليس وهمًا.

في شرقٍ تحكمه شبكات الفوضى، يصبح الاستقرار خطرًا سياسيًا. لذلك تُستخدم أدوات الضغط الاقتصادية لكسر النموذج، لا لمعالجة الخلافات. التجويع ليس نتيجة عرضية للصراع، بل أداة فيه.

إذا نجحت المفاوضات الإقليمية والدولية في إنتاج حكومة عراقية متوازنة، يمكن أن تتحول كوردستان إلى ركيزة نمو واستقرار داخل دولة اتحادية قابلة للحياة.

أما إذا فشلت، ودخلت المنطقة في موجة جديدة من التصعيد غير المباشر، فسيُعاد استخدام العراق، والإقليم داخله، كساحة ضغط بين المحاور.

وفي أخطر الاحتمالات، سينزلق البلد إلى تفكك ناعم، حيث تضعف بغداد وتبحث كل منطقة عن حماياتها الخاصة.

مع كل هذه التحديات، يظل شعب كوردستان وحكومتها وأرضها نموذجًا للكرم والمحبة. كل من يزورنا أو يعيش بين إخوتنا في العراق يجد الترحيب، والوجوه المبتسمة، والدفء الذي ينبع من تقديرنا للتاريخ المشترك، وللأرض وللتراث. نحن نرى في ضيوفنا إخوة، ونعاملهم بمودة حقيقية تتجاوز أي خلافات سياسية.

لكن من على كرسي القرار، للأسف، قد يغيب عنهم هذا البُعد الإنساني. ينسون أن السياسة ليست فقط إدارة مصالح، بل فن المشاركة والوفاء للروابط الإنسانية والتاريخية التي توحدنا.

وبينما يختبر شعب كوردستان وفاءه وكرمه، يبقى التحدي في أن يعكس صانعو القرار هذا النهج، ويقدروا أن القوة الحقيقية لأي دولة أو إقليم تأتي من الجمع بين السيادة والإنسانية.

في هذه المنطقة التي تُعاد صياغة توازناتها بلا رحمة، لا ينجو من العاصفة من يرفع صوته فقط، بل من يُثبت نفسه ضرورة لا يمكن للعالم الاستغناء عنها.

وكوردستان اليوم ليست مجرد إقليم، بل معيار للاستقرار والحقوق والسيادة.

أي محاولة لإضعافها أو تجويع شعبها ليست سياسة، بل اختبارٌ أخلاقي لكل القوى الإقليمية والدولية.

إنها اللحظة التي يثبت فيها الإقليم أن قوته ليست في السلاح فقط، بل في الاستقرار الذي يفرض احترامه على الجميع، وفي الحقوق التي لا يمكن تجاهلها.

وكوردستان، اليوم، تثبت أن الحرمان لا يولد الطاعة، بل يُظهر صلابة شعب يرفض أن تُستخدم كرامته كورقة سياسية.