ڤینوس بابان
كاتبة صحفية
فرانسو حريري... جسر التآخي في مدرسة الخالد ملا مصطفى بارزاني
في تاريخ الشعوب التي تناضل من أجل كرامتها لا تُخلَّد الأسماء لأنها امتلكت السلطة بل لأنها حافظت على المعنى الأخلاقي للنضال. ومن بين تلك القامات التي تجاوزت زمنها وبقيت في وجدان كوردستان رمزاً للاتزان والصدق يبرز اسم الشهيد فرانسو حريري الرجل الذي جعل من السياسة التزاماً أخلاقياً ومن التعايش عقيدة ومن المعرفة أداة للتحرير.
وُلد فرانسو حريري في بيئة كوردستانية بسيطة حيث كان الإحساس بالظلم التاريخي والانتماء للأرض جزءاً من الوعي اليومي. منذ شبابه المبكر لم يرَ في السياسة طريقاً إلى الامتياز بل مسؤولية تجاه شعبٍ حُرم طويلاً من حقوقه.
انضم مبكراً إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني الحزب الذي لم يكن تنظيماً سياسياً فحسب بل مدرسة وطنية تُربّي على الانضباط والوفاء وحب الوطن قبل كل شيء. في هذه المدرسة تَكوَّن وعيه وتبلورت شخصيته على أساس أن النضال الحقيقي ليس شعاراً بل التزام طويل النفس.
لم يكن الشهيد سياسياً تقليدياً يعتمد على الخطابة بل كان مثقفاً عميقاً يمتلك ذاكرة تاريخية نادرة. كان يعرف تواريخ النضال الكردي محطاته الكبرى انتفاضاته اتفاقياته وخيباته بدقة رجل يدرك أن أخطر ما يهدد القضايا العادلة هو النسيان أو التزييف.
كان يضع كل حدث في سياقه ويقرأ التاريخ بوصفه خريطة سياسية فيستخرج منه العِبر لبناء الحاضر لا لإعادة إنتاج الأخطاء. لذلك كان حضوره في أي نقاش سياسياً ثقيلاً بالمعرفة لا بالضجيج.
تميّز فرانسو حريري بكونه ناطقاً سياسياً بارعاً وصاحب شبكة علاقات واسعة ومتينة بُنيت على الثقة لا على المصالح العابرة. كان يعرف كيف يُخاطب المختلف وكيف يحوّل الحوار إلى قوة سياسية حقيقية.
وباعتباره مسيحياً في جذوره الدينية لم يرَ في هويته عائقاً بل جسراً. آمن بأن كوردستان وطن لكل أبنائها وأن قوتها تكمن في قدرتها على احتضان التنوّع لا في إقصائه.
تعلّم فرانسو حريري من مدرسة ملا مصطفى بارزاني معنى الحكمة حين تكون أقوى من السلاح ومعنى الإصرار حين يكون الوطن أغلى من الحياة. لم يكن انتماؤه لهذه المدرسة شكلياً بل إيماناً عميقاً بأن القضية الكوردية مشروع كرامة إنسانية لا هوية مغلقة.
ترجم فلسفة البارزاني في التعايش إلى ممارسة يومية فأثبت أن الانتماء الحقيقي يُقاس بالوفاء للقضية لا بالدين أو الأصل.
في يوم اغتياله لم تُغتل شخصية سياسية فقط بل اغتيل نموذج نادر: نموذج السياسة النظيفة والحوار والتعايش. كان استشهاده رسالة عنف ضد فكرة أن العقل يمكن أن ينتصر على الرصاص.
إن استذكار الشهيد فرانسو حريري اليوم هو وفاء لمدرسة كاملة أسسها ملا ملا مصطفى البارزاني مدرسة لم تبنِ حزباً فقط بل صنعت عائلة نضالية طويلة المدى تتوارث القيم كما تتوارث الأسماء.
في هذه المدرسة تربّى رجال لم تُغوِهم المناصب لأنهم تعلّموا أن الحزب بيتٌ للقضية لا سلّماً للسلطة. وكان فرانسو واحداً من أنقى أبناء هذا البيت.
لهذا فإن الوفاء له لا يكون بالحزن بل بالحفاظ على الطريق المتين الذي سار عليه: طريق الحكمة والتعايش والنضال الشريف.