نايف كوردستاني
أكاديمي وكاتب في الشأن السياسي
صهريج فارغ يحاول دعس الشراكة الوطنية
واحدة من مشكلات العراق الجديدة، والعويصة بروز طبقة من سياسيي الصُّدفة، والمراهقين، والمدفوعين من قبل بعض الجهات الدّاخليّة، والخارجيّة الذين لا يفقهون أبجديات السِّياسة مستغلين كلّ فرصة للانقضاض على الكورد بصورة عامّة، وعلى حكومة إقليم كوردستان على وجه الخصوص، والالتفاف على الدّستور العراقي، وخرق بنوده لعدم اطّلاعهم عليه من جهة، وجهلهم ببنوده من جهة أخرى، لا سيما أنَّ العمليّة السِّياسيّة في العراق من بعد عام (2003) قائمة على ثلاثة أركان أساسيّة هي: (الشّراكة، والتّوازن، والتّوافق)، فالشّراكة تعني مشاركة المكوِّنات، والقوى السّياسيّة جميعها في إدارة الدولة، واتّخاذ القرارات، وعدم احتكار السُّلطة من قبل جهة واحدة متفرّدة بالقرارات، والهدف من ذلك منع الإقصاء السّياسيّ، وعدم تهميش المكوّنات الأساسيّة.
أمَّا التّوازن، فالمقصود به توزيع السُّلطات، والمناصب بشكل متوازن بين مكوّنات قوى السِّياسيّة الفائزة في الانتخابات، والهدف هو منع هيمنة جهة واحدة على قرارات الدَّولة.
أمَّا التّوافق، فهو اتّخاذ القرارات السِّياسيّة باتّفاق القوى السِّياسيّة الفائزة في الانتخابات، والتّوافق المُسبق يكون على القرارات السِّياسيّة الإستراتيجيّة المُهمّة لتشكيل الحكومات بالتّفاهم بين الأطراف السّياسيّة، وعدم فرض قرارات بالأغلبيّة العدديّة، والهدف من التّوازن هو تقليل الصِّراع السِّياسيّ بين المكوّنات.
إنَّ هذه المفاهيم الثَّلاثة تُعدّ جزءًا أساسيًّا من ممارسة العمليّة السِّياسيّة في العراق الجديد، وهذا العُرف السِّياسيّ هو السَّائد، ومستنبط من الدُّستور العراقيّ بمجمله.
والمسرحيّة الهزليّة بفصولها التي جرت في أروقة مجلس النُّوّاب العراقي حول التّصويت على رئيس أركان الجيش العراقيّ، وهي مخالفة دستوريّة، وللنِّظام الدّاخلي، والاتّفاق بين الكتل السِّياسيّة.
كما في المادة (9) من الدّستور العراقي: " أولًا :أ- تتكوّن القوات المسلّحة العراقيّة، والأجهزة الأمنيّة من مكوّنات الشّعب العراقيّ بما يراعي توازنها، وتماثلها دون تمييز، أو إقصاء، وتخضع لقيادة السُّلطة المدنيّة، وتدافع عن العراق، ولا تكون أداة لقمع الشَّعب العراقيّ، ولا تتدخّل في الشُّؤون السّياسيّة، ولا دور لها في تداول السُّلطة" .
وهنا يجب أنْ نوضِّح مسألة مهمة جدًّا بأنَّ آلية اختيار منصب (رئيس أركان الجيش العراقي) يكون بناءً على اقتراح من مجلس الوزراء، وليس من قبل مجلس النُّوّاب العراقيّ حسب المادة (61) من الدّستور العراقيّ "يختصّ مجلس النُّوّاب ضمن الفقرة (خامسًا): الموافقة على تعيين كلّ من ضمن الفقرة (ج) رئيس أركان الجيش، ومعاونيه، ومن هم بمنصب قائد فرقة فما فوق، ورئيس جهاز المخابرات بناءً على اقتراح من مجلس الوزراء".
وكذلك المادة(80) من الدّستور العراقيّ "يمارس مجلس الوزراء الصّلاحيّات الآتيّة كما في الفقرة (خامسًا) التّوصيّة إلى مجلس النُّوّاب بالموافقة على تعيين وكلاء الوزارات، والسُّفراء، وأصحاب الدّرجات الخاصّة، ورئيس أركان الجيش، ومعاونيه، ومن هم بمنصب قائد فرقة فما فوق، ورئيس جهاز المخابرات الوطني، ورؤساء الأجهزة الأمنيّة".
وهنا مخالفة دستوريّة لعدم اقتراح مجلس الوزراء العراقي، أو التّوصيّة على فريق أول الرّكن (عبد الأمير رشيد يار الله اللاميّ)، وعلى فرض اقتراح، والتّوصيّة على اسمه لشغل هذا المنصب، وهي مخالفة دستوريّة أخرى، لكون رئيس مجلس الوزراء العراقي حكومته حكومة تصريف الأعمال، وليس من صلاحيّاته اقتراح الأسماء، أو تعيين أصحاب الدّرجات الخاصّة لحين اكتمال التّشكيلة الحكوميّة الجديدة، واختيار رئيس مجلس وزراء جديد مُكلّف من قبل رئيس الجمهوريّة.
كما أنَّ رئيس مجلس النُّوّاب العراقي (هيبت الحلبوسي) خالف النِّظام الدّاخلي في المادة (34) يمارس الرّئيس المهام الآتية: أولًا: العمل على تطبيق الدّستور، والقوانين، والنِّظام الدّاخلي للمجلس".
وكذلك المادة (37) من النِّظام الدّاخلي لمجلس النُّوّاب الفقرة "ثانيًا: لا يجوز عرض أيّ موضوع لم يُدرج في جدول الأعمال، ومناقشته إلا بموافقة أغلبيّة الأعضاء الحاضرين". فضلًا عن الفوضويّة الموجودة أثناء التَّصويت هل كان النِّصاب مكتملًا، وكم كان عدد المُصوّتين، وكيف احتسب الأصوات خلال ثوان معدودة، وبصورة مستعجلة، وكأنه أمر دُبِّر بليل؟!
وكان الأجدر عدم انفراد رئيس مجلس النواب بعرض جدول الأعمال من دون موافقة هيئة رئاسة مجلس النُّوّاب.
ومشكلتنا ليست مع شخصيّة فريق أوّل الرُّكن ( عبد الأمير يار الله)، فهو شخصيّة عسكريّة معروفة، ولها تأريخها، لكن مشكلتنا حول آلية التَّرشيح، والتّصويت، فضلًا عن ضرب أُسس الشَّراكة الوطنيَّة القائمة في العراق، وتهميش المكوّنات، وحرمانهم من الاستحقاقات الانتخابيَّة عرض الحائط من أجل إرضاء بعض الأطراف في العمليّة السِّياسيّة، كما أنّ حصة الكورد في المناصب العسكريّة، والأمنيّة قليلة جدًّا في بغداد ومنصب رئيس أركان الجيش العراقّي من حصة كورد منذ تشكيل أوّل حكومة عراقيّة منتخبة من بعد عام (2003)، ويقول بعض السّاسة، والجماهير العراقيَّة لماذا تطالبون بمنصب رئيس أركان الجيش العراقيّ، ولا تسمحون لهم بالدّخول إلى إقليم كوردستان؟
يجب كشف اللثام عن بعض الأشياء لوجود سوء فهم، أو عدم امتلاك للمعلومة الصَّحيحة، ولكي تكون الصَّورة ناصعة، وواضحة لدى المتلقي، وربّما هناك جهات تحاول تضليل الرّأي العامّ بصورة قصديّة متعمِّدة لغرض شحن الشارع والتّحريض ضدّ الكورد، فهناك نقاط عسكرية لقوات حرس الحدود العراقيّة في إقليم كوردستان، فضلًا عن الأجهزة الأمنيّة العراقيّة في النِّقاط الحدوديّة هذا من جانب، ومن جانب آخر، فأنَّ قوات الپيشمرگة هي القوة الرّسميّة المعترفة بالدّستور العراقي المعروفة بحرس الإقليم كما في المادة (121/ خامسًا)، وهي تابعة بصورة رسمية لوزارة الپيشمرگة حسب قانون رقم (19) لسنة (2007) قانون وزارة الپيشمرگة لإقليم كوردستان- العراق.
فإقليم كوردستان ليس بحاجة لكي يدخل الجيش العراقي إلى مناطقه؛ نظرًا لاستتباب الأمن في ربوع المحافظات، والمدن، والقصبات، والقرى بإقليم كوردستان، ومنذ تشكيل أول حكومة في العراق في عام (2005) لم تقم الحكومة العراقيّة بتسليح قوات الپيشمرگة بالأسلحة الخفيفة، والمتوسطة، والثقيلة! وهنا من حقّي أنْ أطرح سؤالًا هل يستطيع الجيش العراقي أن يدخل إلى منطقة (جرف الصَّخر) في محافظة بابل، أو منطقة (العوجة) في تكريت بمحافظة صلاح الدين، أو سامراء؟
لماذا لا يذهب الجيش العراقي إلى (شنگال)، ويحرِّره من سيطرة حزب العمال الكوردستاني، والفصائل المسلحة.
إنَّ الجيش العراقي السَّابق له أرشيف ملطخ بالدَّماء تجاه الكورد؛ ولهذا للكورد تحفظّات على الجيش العراقي السَّابق قبل سنة (2003) لارتكابه جرائم ضدّ الإنسانيّة بحقّ الشَّعب الكوردستاني من المقابر الجماعيَّة، وحملات الأنفال بمراحلها الثّمانيّة، وقد راح ضحية ذلك (182000) مواطن كوردي مدني، وضرب مدينة (حلبچة) بالأسلحة المحرّمة دوليًا (الكيمياوي)، وقد راح ضحية تلك الجريمة البشعة (5000) مواطن كوردي مدني ما عدا آلاف المشوهّين، ودفن (8000) بارزاني، وحرق، وتدمير (4500) قرية كوردية، وتهجير (12000) كوردي فيلي، ومصادرة أموالهم المنقولة، وغير المنقولة، ولا ننسى عمليات التعريب في كركوك، وشرق بغداد، وغرب نينوى، وسياسة تصحيح الهويّة، وبعد سقوط نظام البعث البائد أراد الكورد بناء جيش عراقي وطني قوي من مختلف مكوّناته، ولا يتدخّل في الشُّؤون، والصِّراعات السِّياسيّة، وخير دليل على ذلك وجود الجيش العراقي في المناطق الكوردية بمحافظة كركوك، ويمنعون الفلاحين الكورد من زراعة أرضهم، وفي كلّ سنة يتسببون بمشكلات لهم، ويعرقلون أعمالهم!
لكن ما نراه اليوم من سلوكيات جديدة لدى رئيس مجلس النُّوّاب العراقيّ (هيبت الحلبوسي) بعيدة عن الأعراف، والقيم السّياسيّة، والرّكائز الأساسيّة الثّلاثة، وفيها جنبة شخصيّة، ومدفوعة سياسيًّا لكونه يأتمر بأمر رئيسه المخلوع (محمد الحلبوسي) الذي استبعد من منصب رئيس مجلس النُّوّاب العراقي في الدُّورة الخامسة بعد القرار الذي أصدرته المحكمة الاتّحاديّة العُليا في العراق بتاريخ (14 تشرين الثاني 2023) بإنهاء عضوية رئيس مجلس النُّوّاب العراقي (محمد الحلبوسي) في خطوة أتت بناء على دعوى (تزوير) تقدّم بها النائب (ليث الدليمي) من حزبه السياسي (تقدّم)؛ لأنَّ تهمة التّزوير من الجرائم المُخلّة بالشَّرف حسب المادة (21/أ/6) من قانون العقوبات العراقيّ المعدّل.
ويبدو أنَّ (الحلبوسي) لا يزالُ يمرُّ بنوبات، وخلجات نفسيّة منذ استبعاده من منصبه السَّابق بعد شعوره بنشوة لقب (الرئيس)، وهتافات المُطبِّلين له، ويرى بأنَّ صورته المثاليّة انهارت، وجرحت كرامته، وتراجعت مكانته، وأنَّ إقالته مؤامرة؛ ولهذا يستهدف الساسة من (الكورد، والشِّيعة) بخطابات تصعيديّة حادّة، ولهجة متشنِّجة بين الحين، والآخر، وهي آلية دفاع للحفاظ على صورته أمام جماهيره؛ لكي يشعر بالانكسار، ويحافظ على مكانته السِّياسيّة، وقد حاول في الانتخابات التّشريعيّة التي جرت في عام (2025) للعودة إلى منصب رئيس مجلس النُّوّاب العراقيّ، لكن من دون جدوى لعدم حصوله على الضّوء الأخضر من قبل الكتل السّياسيّة (الشّيعيّة، والكورديّة، والسُّنّيّة)، ولا أريد الخوض حول كيفيّة اختياره لمنصب رئيس مجلس النُّوّاب!
وفرق كبير بأنْ تدير المؤسسة التّشريعيّة بعقليّة وطنيّة مؤسساتيّة محترمة بعيدًا عن أسلوب أبناء الشوارع، والألفاظ المبتذلة السُّوقيّة، وغير لائقة في العرف السِّياسي، لكن يمكن تمرير تلك المصطلحات عندما تكون سائق صهريج، وتُهوّس على هذا، وتشتم ذاك، وتستخدم المنبِّهات (الهورنات) في زحمة السير، أمَّا أن نرى عقليَّة سائق الصِّهريج في أروقة مجلس النُّوّاب الذي يُمثِّل مختلف مكوّنات العراق، فهذا وصمة عارّ، وسلوكي غير حضاريّ!
ولا يمكن بأيّ شكل من الأشكال دعس الشَّراكة الوطنيَّة، والعمليّة السِّياسيّة برمّتها بصهريج فارغ؛ لأنَّ غيركم جرّبوا أنفسهم من الحكومات المتعاقبة، والشَّخصيّات السِّياسيّة، ولم يستطيعوا كسر إرادتنا، والتّاريخ أكبر شاهد، وسطّر بطولاتنا في صفحاته الخالدة ...!