رمضان بين روح العبادة ومظاهر الاستهلاك

رمضان بين روح العبادة ومظاهر الاستهلاك
رمضان بين روح العبادة ومظاهر الاستهلاك

في مشهدٍ يتكرّر كل عام، تتجلّى مفارقةٌ أخلاقيةٌ واقتصاديةٌ صارخة بين مجتمعاتٍ تجعل من أعيادها مواسمَ رحمةٍ وتيسير وأخرى تُحوِّل مواسم العبادة إلى أعباءٍ إضافية تُلقى على كاهل الناس. ففي كثيرٍ من دول العالم، ومع اقتراب أعياد الميلاد ورأس السنة، تنخفض الأسعار وتُعلَن التخفيضات على الغذاء والملبس وسائر متطلبات الحياة، في إشارةٍ حضاريةٍ واضحة إلى احترام تلك المجتمعات لمناسباتها الدينية، ورغبةٍ واعية في إشراك جميع المواطنين، على اختلاف انتماءاتهم، في بهجة العيد وطمأنينته. وهذا السلوك، في جوهره، يعكس فلسفةً اجتماعية ترى في العيد حقاً جماعياً، لا فرصةً للربح السريع ولا موسماً للاستغلال.

وعلى النقيض من ذلك، تشهد أغلب مجتمعاتنا الإسلامية، مع الأسف، ارتفاعاً ملحوظاً في الأسعار كلما أطلّ شهر رمضان المبارك، أو اقترب عيد الفطر أو الأضحى، ولا سيّما في السلع الغذائية الأساسية. وكأن شهر الصيام، الذي شُرع ليكون زمناً للتخفّف والسموّ الروحي، يتحوّل إلى موسم ضغطٍ معيشيّ واختناقٍ اقتصادي. هذه المفارقة لا تمسّ البنية الاقتصادية فحسب، بل تنفذ إلى عمق المنظومة القيمية، إذ إن العبادة في أصلها تيسيرٌ لا تعسير، ورحمةٌ لا مشقّة. يقول الله تعالى:
﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]،
وهي آية تؤسّس لرؤيةٍ شاملةٍ للدين بوصفه مشروعَ رحمةٍ وعدلٍ في الحياة، لا مجرّد طقوسٍ تُؤدّى بمعزلٍ عن أثرها الاجتماعي.

رمضان ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل مدرسةٌ أخلاقيةٌ لتزكية النفس وكبح الشهوة، وتعميق الإحساس بالآخر، ولا سيّما الفقير والمحتاج. وقد ربط القرآن الكريم ربطاً وثيقاً بين العبادة والعدالة الاجتماعية، فالصيام الذي لا يوقظ الضمير، ولا يردع الجشع، ولا يحدّ من الاستغلال، يفقد كثيراً من حكمته ومقاصده. إن رفع الأسعار في مواسم العبادة يناقض جوهر الصيام في إشاعة التراحم، ويصطدم بحقائق اقتصادية وأخلاقية معروفة، فزيادة الطلب الموسمية لا تُبرّر قيميًا الاستغلال، بل تستدعي سياسات ضبطٍ ورقابة، وثقافةً تجارية ترى في الربح المستدام ثمرةً للإنصاف لا للاحتكار.

وفي هذا السياق، لا يمكن إعفاء الفاعلين المؤثّرين في الوعي العام من مسؤولياتهم الأخلاقية، فرجال الدين، بما يملكونه من منابر وتأثيرٍ روحي، مطالبون بإعادة توجيه الخطاب من الاكتفاء بالوعظ الفردي إلى مساءلة السلوك الاقتصادي، ووضع الجشع وغلاء الأسعار في موضعهما الحقيقي، بوصفهما ممارساتٍ تُفرغ العبادة من معناها. كما أن السلطات، بوصفها الحارس التنفيذي للعدالة، ليست مدعوّة إلى الرقابة الشكلية فحسب، بل إلى سياساتٍ حازمة تمنع الاحتكار وتكبح الاستغلال باسم الدين أو الموسم. أمّا الإعلام، التقليدي والرقمي، فعليه أن ينتقل من دور الناقل المحايد إلى دور الضمير اليقظ، يفضح الجشع كما يروّج للخير، ويُبرز نماذج التكافل بدل تمجيد الاستهلاك. بل إن المنصّات الاجتماعية، بما لها من تأثيرٍ فعّال في تشكيل الرأي العام، مدعوّة لأن تكون ساحات وعيٍ حقيقي، إمّا منابر توعية تُعيد الاعتبار لمعنى الصيام، أو على النقيض مسارح استعراض تُكرّس ثقافة التفاخر وتُطَبِّع الإسراف.

ومع ذلك، لا يمكن إغفال وجود كثيرٍ من ذوي الرحمة والمقدرة الذين يقيمون موائد خيرية للفقراء أو لفئاتٍ مختلفة من المجتمع، وهي عادةٌ جميلة ودلالةٌ صادقة على حضور المعنى الحقيقي للشهر الفضيل، القائم على الشعور بالآخر والرحمة به. غير أنّ المشهد يزداد إيلامًا حين نرى أن كثيرًا من الناس، بدل أن يجعلوا من هذا الشهر موسمًا لموائد التكافل، ينصرفون إلى دعوات إفطار وسحور تتّسم ببذخٍ مفرط ومظاهر استعراضية لافتة، موائد عامرة تتجاوز حدّ الحاجة، وأطعمة يُهدر منها أكثر مما يُؤكل، حتى كأن الغاية لم تعد إحياء معنى الصيام، بل استعراض الوفرة والقدرة.

هذا السلوك لا يتعارض فقط مع روح رمضان، بل يصطدم صراحةً بالقيم القرآنية التي تحذّر من الإسراف وتربطه بانحرافٍ أخلاقي، إذ يقول تعالى:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾.
فالفلسفة العميقة للصيام تقوم على كسر الأنا لا تضخيمها، وعلى تذكير الإنسان بضعفه لا ترسيخ شعوره بالتفوّق المادي. وحين تتحوّل موائد رمضان إلى ساحات تفاخرٍ اجتماعي، يفقد الصوم أحد أهم مقاصده، تهذيب النفس وإحياء الضمير الجمعي. فالفقير لا يحتاج إلى أن يرى صور النعمة، بل إلى أن تلامس النعمة حياته. والعبادة التي لا تُترجم إلى عدلٍ اجتماعي وتكافلٍ إنساني تبقى ناقصة الأثر، مهما اكتملت في ظاهرها.

وهكذا تتكشّف المفارقة الكبرى: شهرٌ شُرع ليكون مدرسةً للرحمة، فإذا ببعض الممارسات تحت بصر المنابر، وصمت القوانين، وضجيج الشاشات تحوّله إلى موسم استهلاكٍ واستعراض. وما أحوج مجتمعاتنا اليوم إلى استعادة المعنى الجوهري، لا المظهري، للشهر الفضيل، حتى يعود رمضان كما أُريد له، زمنًا يسمو فيه الإنسان فوق شهوته، ويقترب فيه من أخيه الإنسان بالرحمة والمودّة قبل أن يقترب من مائدته.

ختامًا، نستقبل شهر رمضان المبارك راجين أن يكون محطةً صادقة لمراجعة ذواتنا، وتصحيح مساراتنا، وتجديد العهد مع القيم التي شُرع الصيام من أجلها: قيم الرحمة، والعدل، والتكافل. نسأل الله أن يجعله شهر خيرٍ وبركة، تُصفّى فيه القلوب من الجشع، وتُزكّى فيه النفوس من الإسراف، ويعلو فيه صوت الضمير على ضجيج الاستهلاك.

رمضان كريم، أعاده الله علينا وعلى الإنسانية جمعاء بالسلام والطمأنينة والعدل، وجعلنا فيه من الصائمين عن الأذى، القائمين بالحق، المتراحمين في السرّ والعلن.