سيناريوهات الصراع بين إيران والولايات المتحدة

سيناريوهات الصراع بين إيران والولايات المتحدة
سيناريوهات الصراع بين إيران والولايات المتحدة

ينظر إلى المسار التفاوضي بين إيران والولايات المتحدة بوصفه واحداً من أعقد ملفات العلاقات الدولية، ليس فقط بسبب طبيعته النووية، بل لأنه يعكس شبكة متداخلة من اعتبارات الأمن والردع وتوازنات النفوذ في الإقليم والعالم. 
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس ما إذا كانت المفاوضات ستُستأنف أو تتوقف، بل ما إذا كان بالإمكان أصلاً الوصول إلى اتفاق يمكن أن يصمد في ظل هذا القدر من التباعد في الرؤى والمصالح.

من الناحية العملية، نجاح أي تفاوض يفترض أحد احتمالين: إما أن يتمكن طرف من فرض شروطه، أو أن يلتقي الطرفان عند نقطة وسط. 

لكن الواقع لا يدعم أياً من هذين الاحتمالين بشكل واضح، فبالنسبة لإيران، لا يُنظر إلى برنامجها النووي كملف قابل للمساومة بسهولة، بل كجزء من معادلة ردع ترى أنها ضرورية للبقاء في بيئة إقليمية غير مستقرة. 

وتستحضر طهران تجارب مثل ليبيا وأوكرانيا لتعزيز قناعتها بأن التنازل عن عناصر القوة لا يوفر ضمانة حقيقية، بينما يُستخدم نموذج كوريا الشمالية كدليل معاكس على أن امتلاك القدرة النووية قد يفرض نوعاً من الحماية.

في المقابل، لا تملك واشنطن هامشاً واسعاً للتراجع. أي تنازل كبير قد يُفسر داخلياً كإخفاق سياسي، ويضعف صورتها كقوة قادرة على فرض شروطها، وهو ما ينعكس مباشرة على تحالفاتها وموقعها الدولي، لذلك، يبدو أن خيار “فرض الإرادة” من أي طرف يظل نظرياً أكثر منه واقعياً.

أما فكرة الحل الوسط، فهي بدورها تصطدم بتعقيدات تتجاوز الملف النووي نفسه. فالقضية لا تتعلق فقط بنسبة تخصيب اليورانيوم أو حجم المخزون، بل تمتد إلى البرنامج الصاروخي الإيراني، ودور طهران في الإقليم، وشكل الضمانات الأمنية التي يمكن أن تحصل عليها. 

يضاف إلى ذلك موقف إسرائيل، التي ترفض أي اتفاق لا يقيّد بشكل واضح القدرات العسكرية الإيرانية. وحتى الطروحات التي تبدو “معقولة” على الورق — مثل تخفيض التخصيب مقابل تخفيف العقوبات — تصطدم بحاجز الثقة المفقودة، وقد تُفسر داخل إيران على أنها خطوة غير كافية، بل وربما دافع إضافي للمطالبة بامتلاك ردع أقوى.

ما يزيد الصورة تعقيدًا هو التباين الواضح في الخطاب السياسي للطرفين. 

التصريحات غالباً ما تأتي متناقضة، وأحياناً متضاربة مع الوقائع على الأرض، حيث يستمر التصعيد العسكري والتحشيد في مناطق حساسة، وتظهر مؤشرات على استعداد دائم للتصعيد، كما في تحركات القطع البحرية ومن بينها حاملة الطائرات USS Gerald Ford، مثل هذه المؤشرات تجعل أي تهدئة تبدو مؤقتة وهشة.

ولا يمكن إغفال دور الأطراف الأخرى التي تملك تأثيراً مباشراً أو غير مباشر على مسار الأزمة.

فإسرائيل، على سبيل المثال، ليست مجرد طرف مراقب، بل فاعل يسعى لتوجيه النتائج بما يخدم رؤيته الأمنية، إلى جانب أطراف أخرى ترى في استمرار التوتر فرصة لتعزيز نفوذها أو تحقيق مكاسب معينة، هذا التداخل في المصالح يجعل الوصول إلى اتفاق مستقر أكثر صعوبة.

في ضوء كل ذلك، يمكن تصور المشهد في صورة عدة مسارات محتملة: 

جمود طويل مع اتصالات محدودة، أو تهدئة مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة، أو عودة تدريجية للتصعيد. 

ورغم أن كلفة المواجهة المباشرة قد تدفع الطرفين إلى تجنب الانفجار الكبير، فإن المؤشرات الحالية لا توحي بقرب انفراج حقيقي، بل باستمرار حالة عدم الاستقرار، حيث تُدار الأزمة بدلاً من أن تُحل، في سياق دولي يشهد تنافساً متزايداً وتراجعاً في فرص التسويات الكبرى.